مقتطفات من مداخلة لوران فابيوس في جامعة باريس الأولى بانتيون [fr]

سورية

في سورية، إن القمع الدموي الذي يقوم به نظام بشار الأسد هو مأساة تهدد كل المنطقة وما يتجاوزها، ذلك أن الحريق الاقليمي قد يكون له عواقب وخيمة للغاية، بما في ذلك بالنسبة لأوروبا بالطبع. وهناك حديث عن وجود أكثر من 70 ألف قتيل ـ يشير البعض إلى 100 ألف قتيل ـ وأكثر من مليون لاجئ. ففي البلدان المجاورة كالأردن ولبنان، وهما دولتان ليستا غنيتين، يشكل اللاجئون السوريون فيهما ربع عدد السكان. وتسوية النزاع تمر بحل سياسي يتطلب حواراً بين المعارضة المسؤولة وبعض عناصر النظام. وللتوصل إلى ذلك، يجب أن يتطور توازن القوى في الميدان العسكري. هذا هو مغزى موقفنا المتعلق بالحظر المفروض على الأسلحة. ولكننا نحشد قوانا أيضاً على الصعيد الإنساني إلى جانب السوريين والشعوب المجاورة ومن أجل تجنب المخاطر البالغة جداً جراء استخدام الأسلحة الكيماوية، ذلك أن السيد بشار الأسد يمتلك عدداً كبيراً جداً منها.

سؤال ـ ثمة قرار يسمى "إتحاد من أجل السلام" صوتت عليه الجمعية العامة في عام 1950، يوفر بديلاً عن تدخل مجلس الأمن. ويقول هذا القرار بأنه حين يرفض مجلس الأمن الوفاء بمهمته في حفظ السلام والأمن الدوليين، أي حين يمارس عضو دائم في مجلس الأمن حق النقض (الفيتو) ضد قرار، عندها يمكن للجمعية العامة، التي هي الهيئة الثانية الدائمة في هذا المجال، أن تتولى النظر بالقضية. (...) لم تقدم فرنسا مطلقاً أي قرار إلى مجلس الأمن لإحالة الأمر على المحكمة الجنائية الدولية، أو للقيام بتدخل عسكري تحت إشراف الأمم المتحدة، الأمر الذي كان قد سمح على الأقل بتجميد عمل مجلس الأمن وإتاحة النظر بالقضية من قبل الجمعية العامة. لماذا؟
جواب ـ حول الإمكانية النظرية بأن تحل الجمعية العامة مكان مجلس الأمن، هناك شرطان غير متوفرين في هذه الحالة، وأعتقد بأنهما لم يتوفرا على الاطلاق. الشرط الأول يستوجب وجود غالبية في الجمعية العامة للقيام بما رفض مجلس الأمن القيام به. إذن، ونظراً لتنوع وجهات النظر حول الشأن السوري، فأنه من المشكوك به جداً ايجاد غالبية في الجمعية العامة نتيجة إيعاز محدد.

النقطة الثانية، مجلس الأمن ولاسيما الأعضاء الدائمون لن يوافقوا عن التخلي عن جزء من سلطتهم لصالح الجمعية العامة. والمفارقة هي أن الجمعية العامة والبلدان التي تتشكل منها ليسوا متحمسين كذلك. مجلس الأمن مجمد اليوم لكن إذا أخذت الجمعية العامة السلطة، فما من أحد سيكون مقتنعاً بأننا قد نتوصل إلى حلول أكثر سهولة. حين تكونون 198، هل سيكون اتخاذ القرار أكثر سهولة متى كنتم 15، وخصوصاً حين يوجد 5 فقط يحق لهم رفع الابهام أو خفضه، هذا موضع شك كبير.

سؤال ـ هل فرنسا لا تزال تنوي الالتفاف لوحدها أو على الأقل مع المملكة المتحدة على الحظر؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي المخاطر التي تواجهها، مع العلم بأنه قرار اتخذ على مستوى أوروبي ويستوجب لاسيما موافقة 27 ممثلاً عن الدول الأعضاء.

جواب ـ أجرينا مناقشة السبت المنصرم في دبلن مع شركائنا الأوروبيين. والبريطانيون ونحن قد اتخذنا موقفاً طالبنا فيه بإعادة النظر، لأن الحظر الذي قررناه يسري حتى 31 أيار/مايو ثم يتوجب اتخاذ قرار. البريطانيون ونحن اعلنا موقفنا. وقال بعض الدول بأنه سوف يفكر، والبعض الآخر قال بأنه معاد. (...) بالطبع نريد حلاً سياسياً، ولكن في الوقت الراهن، لا نرى كيف يمكن تصور الحل السياسي إذا لم يكن هناك تحركات على الأرض.
الحظر هو نظام استثنائي بالنسبة للعقوبات. عادة ينبغي أن يتخذ القرار بالاجماع، ولكن لا يوجد إجماع، وفي الوقت نفسه ستسقط العقوبات. إذاً، ترون بأن الحظر ليس سوى عنصر ثانوي.

بالطبع، يجب احترام القانون ولكن أعتقد بأنه من الواجب إبقاء هذه الفكرة حاضرة في الذهن: ما يهم هو تغيير الوضع السياسي. ولتغيير الوضع السياسي، يجب بالموازاة تغيير الوضع على الأرض. عندها تطرح مسألة التسلح. وإذا طرحنا مسألة التسلح، علينا الحصول على ضمانات لكي يُعطى هذا السلاح إلى الناس الذين يستخدمونه في الاتجاه المتوقع.

الحل الوحيد الجيد في سورية هو التوصل إلى حل سياسي. ليس بوسعنا أن نرى كيف يمكن لبشار الأسد البقاء في مسؤولياته بعدما قتل 100 الف شخص. لكن من الممكن أن نتصور تشكيل حكومة انتقالية قد تضم في الوقت نفسه عناصر مسؤولة من المعارضة وعناصر من النظام. وعلاوة على ذلك، نحن اتفقنا مع الروس والأميركيين وغيرهم حول هذه النقطة في الاجتماع الذي عقدناه في جنيف، حتى ولو لم يُفضِ إلى شيء. كنا قررنا في ذلك الوقت بأن أفضل حل هو الحكومة الانتقالية التي تحوز على كل السلطات، والتي تكون مقبولة من الطرفين ولا تضم بشار الأسد. هذا الحل المعقول لا نتمكن من انجاحه لأن بشار الأسد مقتنع بأنه سينتصر. ولماذا هو مقتنع بأنه سنتصر؟ لأنه يمتلك القدرات العسكرية التي لا يملكها الآخرون. لديه طائرات ـ 550 طائرة ـ، ولديه القدرة على قصف السكان.

إذاً بالنسبة إليه، الأمور يمكن أن تكون سرمدية. وبما أنه مقتنع بأنه سوف ينتصر، فان الروس الذين يساندونه يقولون بأنه ليس بمقدورهم ممارسة الضغط. نحن في وضع حيث يُفترض التوصل إلى حل سياسي، لكن لا يمكن تصور هذا الحل إلا إذ تغيرت الأمور على الأرض. وهنا تطرح مسألة الحظر على السلاح. إذا ما بقينا على الحال الراهنة حيث يقدر السيد بشار الأسد على قصف المقاومين، وليس في حوزة هؤلاء المقاومين وسائل التصدي لأعمال القصف هذه، فلن يكون هناك أي تطور سياسي و عدد القتلى سيتزايد، والتوترات ستكون أقوى. يمكن ان تتشظى سورية، وعندها سيكون أمامكم قوس مع إيران، من جهة جزء من سورية سيبقى تحت الهيمنة الإيرانية، وربما مع تشعبات في لبنان مع "حزب الله" وتشعبات في العراق. ومن جهة أخرى، القاعدة الممثلة بمجموعة تدعى "النصرة" التي تكافح ضد بشار الأسد لكنها مرتبطة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.

هذا ما نحاول مع البريطانيين وسواهم تجنبه. بطبيعة الحال يمكن القول لنا:" ولكن إذا سلمتم أسلحة، هل أنتم متيقنون من أنكم سوف تسلمونها إلى أشخاص مسؤولين؟ وهذه ألن تذهب في نهاية المطاف إلى يد الإرهابيين الذين، عند الإقتضاء، سوف يوجهونها ضدكم. ومع الأسلحة التي سيمتلكونها سيسقطون طائرات ركاب، وطائرات فرنسية، لما لا ؟".

بالتأكيد، إذا كان يتعين علينا تسليم أسلحة، يجب أن تكون هناك ضمانات مطلقة بأن هذه الأسلحة لن تصوب ضد أولئك الذين سلموها بالتأكيد. ولكن هذه المسألة لم تحسم بعد. لدينا متسع من الوقت حتى نهاية شهر أيار/مايو لمناقشتها مع زملائنا الأوروبيين. إنها مسألة بالغة الخطورة. بكل صدق، حول هذا الموضوع لا يوجد حل سواه. علاوة على ذلك، اسمح لنفسي بابداء ملاحظة سياسية: حين يكون هناك حل بديهي، فلا يأتي أبداً أو نادراً من السياسي؛ وإذا كان هناك حل جيد مئة بالمئة وحيث يوجد صفر بالمئة سيىء، تتم الموافقة عليه. وهنا نحن في وضع صعب للغاية، إذ لكل حل سيئات.

نحن على استعداد لمساعدة المعارضة السورية المسؤولة، والتي تلتزم بضمان تنوع الجماعات والطوائف في سورية الغد. ولسنا مستعدين على الإطلاق لمساعدة أولئك الذين قد يكونوا متطرفين في هذه المعارضة. ليس هناك من شك في ذلك.

مالي

مالي كانت قد اوشكت بأن تصبح ملاذاً للمخدرات والارهاب، وأن تصبح فرنسا لاسيما هدفاً. فتدخلنا بحالة مستعجلة لوقف تقدم المجموعات الارهابية التي كانت تهدد بالذهاب باتجاه الجنوب، باتجاه باماكو، لاستعادة المدن التي سيطر عليها الارهابيون وتخليص البلاد من هذا التهديد. نحن في وضع بلوغ هذه الأهداف. إذاً سوف نكسب الحرب ولكن يتعين علينا أيضاً كسب السلام. والتحدي هو تحقيق الاستقرار وإعادة البناء وعملية المصالحة السياسية وتنمية مالي. هذا كله يدفعنا اليوم للتعبئة.

في شأن مالي، يجب أن نبقي حاضراً في ذهننا أن ثمة ثلاثة جوانب لا يجب فصلها: الجانب العسكري والجانب الديموقراطي والجانب الاقتصادي. على الصعيد العسكري، قامت فرنسا مع التشاديين وغيرهم من الأفارقة بعمل ممتاز وسنتوصل للسيطرة على الوضع، والسيطرة على ما يطلق عليه هناك إسم إيفوغاس، لا يزال لدينا بضعة أيام، وبدءاً من شهر نيسان / أبريل، سنصبح أقل من 4000 جندي فرنسي. وفي شهر تموز سنصبح أقل من 2000. وستحل القوات الأفريقية مكاننا تدريجياً في المواقع التي نحتلها في المدن: أي القوات التشادية وقوات بعثة الدعم الدولية في مالي بقيادة أفريقية (ميسما). هذا هو الجانب العسكري.

على أي أساس نتدخل حتى الآن؟ على أساس قاعدة مزدوجة. أولاً، (...) قرار الأمم المتحدة الرقم 2085 الصادر في شهر كانون الأول/ديسمبر. وبدءاً من شهر نيسان/أبريل، من المحتمل تعديل الوضعية القانونية لكل ذلك، في الاسبوع الثالث من نيسان/أبريل، لأن قراراً في الأمم المتحدة سيتم التصويت عليه من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي سيقرر تنفيذ ما يطلق عليه إسم عملية حفظ السلام. وهذا يعني بأن مهمة مراقبة (...) الكل ستكون في يد "القبعات الزرق"، وما يسمى اليوم بعثة الدعم الدولية في مالي بقيادة أفريقية (ميسما) ستصبح "قبعات زرق". وعناصر أخرى سوف تأتي كتعزيزات، ما بين 10 إلى 11 ألف شخص. والأمم المتحدة ستراقب الجزء الأساسي. وداخل الجهاز سيكون هناك فرنسيون في هيئة الأركان العامة، ولكن أيضاً في بعثة الاتحاد الأوروبي العسكرية للاسهام في تدريب قوات الأمن المالية.

في الموازاة، طلبت الأمم المتحدة منا ـ وقبلنا ـ أن تكون هناك قوة فرنسية خصوصاً لضمان تأمين مكافحة الإرهاب. هذا ليس عملاً خاصاً تقوم به الأمم المتحدة؛ فعملية حفظ السلام ليست على غرار عملية مكافحة الإرهاب.
سيكون هناك عملية حفظ للسلام، حيث سيكون هناك فرنسيون، ثم في الجانب الآخر سيكون هناك فرنسيون لديهم مهمة مكافحة الإرهاب بشكل أساسي.

ولدينا قوات متمركزة أصلاً في البلدان المجاورة، حيث يوجد عدد من القدرات العسكرية سواء في النيجر، أو في التشاد مع عملية "إيبرفييه"، أو في بوركينا فاسو، وفي السنغال. إذاً، سنستمر في حيازة قدرات عسكرية ليست بعيدة جداً.
هذا هو الجهاز العسكري. وبخصوص التاريخ: من المحتمل التصويت على قرار للإنتقال إلى عملية حفظ السلام في الأسبوع الثالث من نيسان /أبريل؛ وتنفيذ هذا القرار في تموز/يوليو؛ ووجود عدد متناقص نوعاً ما من الفرنسيين.
ويجب أن يتوفر أمران على صعيد الديموقراطية ـ إنها مهمة جداً لأن العملية العسكرية ليست غاية في حد ذاتها ـ . يجب مباشرة حوار بين الجنوب والشمال؛ إنه أحد أكبر المشاكل في مالي لأن بعض سكان الشمال يشعر بأنه مستبعد، لاسيما الطوارق، ولأن الحوار كان من الصعب دائماً إقامته بين بعضهم البعض.

النقطة الأخرى، هي أنه يتوجب إجراء انتخابات لأن الرئيس والحكومة الحاليين لا يتمتعان بشرعية ديموقراطية دائمة. يتعين إجراء هذه الانتخابات بشكل سريع نسبياً لأن هناك مشاكل مناخية، أي إذا تجاوزنا شهر تموز/ يوليو ـ موسم الأمطار ـ فان الانتخابات ستؤجل إلى شهر تشرين الأول/أوكتوبر أو تشرين الثاني/نوفمبر. وهذا يعني، أن مشكلة الشرعية الديموقراطية سوف تطرح أكثر فأكثر.

إذاً، نحن الفرنسيين، سنشارك في آن معاً في العملية العسكرية ونساند وندعم القوى الديموقراطية في الحكومة المالية، وسنبذل قصارى جهدنا لكي يبدأ الحوار ـ لا يمكننا الحلول مكان الماليين ـ وأن تجري الانتخابات في موعدها.
سأذهب الأسبوع المقبل بنفسي إلى مالي لأتناقش بشكل مباشر مع السلطات المالية. ولقد اكد لي رئيس الوزراء ووزير الشؤون الخارجية في مالي أول من أمس بأنهما سيعطيان لائحة أسماء اللجنة التي يتعين عليها إجراء هذه العملية الديموقراطية. حتى الآن، لم نحصل عليها لكنني آمل في الحصول عليها قبل نهاية الأسبوع. ثم هناك الإعداد للإنتخابات ذلك ان الماليين يتمتعون بحسن النية بالتأكيد لكن يجب ان يتلقوا ايضا مساعدة دولية، لوجود عمليات يجب القيام بها، ولأن هناك تكلفة، إلخ.

إلى ذلك، هناك التنمية الاقتصادية. وسيُنظم مؤتمر ضخم في بروكسيل في 15 أيار/مايو، برئاسة كل من الرئيس الفرنسي والرئيس باروزو، لجمع التبرعات للمساعدة في التنمية الاقتصادية.

ولعلي أقول أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح على الصعيد العسكري وعلى الصعيد الأمني. وعلى الصعيد الديموقراطي، يتعين على الماليين الوفاء بالتزاماتهم التي اتخذوها أمام الأسرة الدولية. وعلى صعيد التنمية الإقتصادية، أعتقد بأن الأمور ستسير على ما يرام.

آخر تعديل يوم 17/03/2014

أعلى الصفحة