مقتطفات من خطاب رئيس الجمهورية بمناسبة افتتاح أسبوع السفراء [fr]

قصر الإيليزيه – يوم الثلاثاء الموافق 25 آب/أغسطس 2015

مقتطفات من الخطاب الذي ألقاه رئيس الجمهورية السيد فرانسوا هولاند أمام رئيس الوزراء، ووزير الشؤون الخارجية والتنمية الدولية، والوزراء، ونواب البرلمان، والسفراء.

JPEG

تستعد فرنسا لاستضافة المؤتمر بشأن المناخ (…) ويقع على عاتقنا واجب النجاح لأن هذا التحدي هو تحد عالمي وفرنسا هي البلد المضيف لهذا الاجتماع المهمّ. (…) لكن كوكب الأرض ليس معرضا لخطر الاحترار العالمي فحسب، بل أيضا لخطر الإرهاب الذي لم يبلغ هذا الحد من الوحشية والخطورة قط منذ عقود.

(…)

بات أمننا مسألة تتأثر أيضا بما يجري خارج حدودنا. ويتمثل الخطر الأكبر في تنظيم داعش، الذي يسيطر على مساحات شاسعة من الأراضي في سورية والعراق، ويملك موارد لا يستهان بها ترتبط بمختلف أنواع الاتّجار غير المشروع، الذي تنتشر تفرعاته في جميع أنحاء العالم. يجنّد هذا التنظيم الأفراد وينشر عقيدته وينظّم صفوفه بغية ممارسة القتل على أوسع نطاق.

(…)

يعمد أيضا تنظيم داعش إلى تدمير المنافع العامة للبشرية، فقام بقطع رأس المدير السابق للآثار في تدمر بوحشية، وتدمير معبد بعل شمين عن بكرة أبيه يوم الأحد الفائت.

إن القصد من هذه الأفعال واحد وهو محو أي أثر للبشرية، والترهيب بواسطة نشر الصور والأعمال الإرهابية والفظيعة، وإثبات أنه ليس للوحشية حدود. وعلينا أن نتصرف في هذا الصدد أيضا، فبعد مرور عشرة أعوام على التوقيع على اتفاقية اليونسكو الخاصة بالتنوع الثقافي، قرّرت أن أوكل إلى رئيس متحف اللوفر السيد جان-لوك مارتينيز مهمة حماية الممتلكات الثقافية في وقت النزاعات المسلّحة.

وستتخذ فرنسا جميع المبادرات الضرورية لتحسين حماية المصنفات والمواقع، ومكافحة الاتّجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية الذي يوفّر مصدر تمويل للإرهاب، إذ ثمة تجارة أيضا من وراء عمليات تدمير المواقع الثقافية مما يجعلنا نفترض أنه إذا كان هناك من يبيع فلا بد من وجود من يشتري.

(…)

كما أننا ندرك التحدي الذي تمثله تونس، مهد الربيع العربي، حيث تجري عملية تحول ديمقراطي يحتذى بها، وحيث وجّه الإرهاب ضربة أيضا، في متحف باردو وسوسة، لكي يحرم هذا البلد الصديق من موارده السياحية الأساسية لاقتصاده.
لذا ناشدت البلدان الأوروبية اتخاذ خطوة تتجاوز شراكة دوفيل، وإضفاء جانب أمني على الشراكة، إذ لا يمكننا أن نترك هذا البلد وحيدا في مجابهة عدو هو عدونا نحن أيضا.

JPEG

إن اللجوء إلى استعمال القوة ضروري لمجابهة الإرهاب، وهذا ما دفعني إلى تعبئة قواتنا المسلحة للتدخل في مالي والمشاركة في التحالف في العراق.

(…)

لكن العمل العسكري لا يكفي وحده بتاتا، لأن الإرهاب ينمو بفعل الفوضى السياسية. لذا يتعين على دبلوماسيتنا أن تجد سبل حل الأزمات التي نشهدها.

استغرق العالم وقتا طويلا أكثر من اللازم للتحرك بشأن سورية. لقد دقت فرنسا ناقوس الخطر في صيف عام 2012 وأعلنت دعمها للمعارضة السورية منذ البداية، وكنت أول من اعتبر المعارضة الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري.
وبعد مرور عام كنا على استعداد لمعاقبة نظام استعمل، بدون أدنى شك، الأسلحة الكيميائية ضد شعبه. وقد كلّف تقاعس المجتمع الدولي عن العمل، بعدما تم تجاوز خط أحمر عمدا، ثمنا باهظا، بل باهظا جدا، إذ اشتد عود تنظيم داعش في سورية وهو لم يكن موجودا بتنظيمه الحالي حينها، واستمر بشّار الأسد بارتكاب المجازر ضد شعبه، وما زال للأسف يقوم بذلك.

ماذا علينا أن نفعل؟ علينا أن نقضي على المعاقل الإرهابية دون أن نستثني بشّار الأسد، لأنهما مرتبطان الواحد بالآخر، وعلينا في نفس الوقت السعي إلى تحقيق عملية الانتقال السياسي في سورية التي تعتبر أمرا ضروريا. وقد اعترف مجلس الأمن بضرورة الانتقال السياسي عبر اعتماد بيان في الأسبوع الماضي، وهي سابقة لم تحدث منذ سنتين، وهذه خطوة مهمّة بالاتجاه الصحيح. كما انضمت روسيا إلى هذا البيان وقد يُستهل إذا حوار بين الأطراف، يجب تحديد شروطه.

الشرط الأول هو تحييد بشّار الأسد، والشرط الثاني هو تقديم ضمانات متينة لجميع قوى المعارضة المعتدلة، ولا سيّما المعارضة السنية والكردية، وصون مؤسسات الدولة ووحدة سورية. والشرط الأخير، الذي يعتبر حاسما بلا شك، هو إشراك جميع الأطراف المعنية في الحل، وأعني بلدان الخليج، وإيران أيضا، وتركيا التي يجب أن تشارك في محاربة تنظيم داعش، وإقامة الحوار أو بالأحرى استئنافه مع الأكراد.

وأدعو إلى صحوة عامة في هذه القضية، التي كان لها دور مهم في الأشهر الماضية، فالإرهاب يهدّد جميع الجهات الفاعلة في المنطقة، وليس بعض الجهات فحسب، إنما جميع القوى، ويقتضي حل الأزمة السورية مشاركة الجميع، وفرنسا مستعدة لتحمل قسطها من المسؤولية.

فسنستمر بمساعدة المعارضة السورية التي نعتبرها معتدلة حتى تحقيق الانتقال السياسي، والمشاركة في التحالف في العراق مع الحرص على تحسين كفاءته، إذ لا يمكننا أن نحشد القوات ونكون موجودين إذا لم نكن متيقنين من الأهداف والوسائل الكفيلة ببلوغها.

JPEG

كما سنساند عمليات الإصلاح بقيادة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، بغية تعزيز المؤسسات والحفاظ على بنية الدولة ووحدة العراق، وتوحيد صف جميع الجماعات في البلاد. باختصار، القيام بما لم يتم القيام به في ليبيا قبل بضع سنوات، وما ندفع ثمنه باهظا بسبب عدم النجاح في توطيد الدولة بعد التدخل العسكري الذي كان ضروريا. تمتد ليبيا على مساحة شاسعة من الأراضي الغنية بالموارد، التي لم تختف لكنها تستغل لأغراض لا تصب جميعها في صالح تنمية البلاد، وهذا أقل ما يقال، وهي بلد يواجه فوضى عارمة ويتميز بوجود حكومتين فيه، مما يعنى أن ثمة حكومة زائدة.
إنني أدعم الجهود التي يبذلها الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة من أجل تأليف حكومة وحدة وطنية قادرة، بمساعدة المجتمع الدولي، على عزل المجموعات المتطرفة، وفرض الأمن في الأراضي الليبية، ومراقبة تحركات السكان، ومحاربة شتى أنواع الاتّجار غير المشروع.

(…)

إن إقامة علاقة جديدة مع إيران أمر ممكن وهي تثير الآمال التي يجب أن لا تتحول إلى أوهام أو تؤدي إلى التصرف ببراءة. وقد يساء فهم كلمة "براءة" على فكرة، فهناك من يستعجلون، لكن علينا أن نستهل علاقتنا الثنائية ونطلب أيضا من إيران المشاركة في حل الأزمات التي تعصف بالمنطقة.

وقد قلت للرئيس حسن روحاني عندما التقيته أول مرة غداة انتخابه، إن التوصل إلى اتفاق لا يقتضي أن تتنازل إيران عن الحصول على السلاح النووي فحسب، بل على إيران أن تقوم بدور بنّاء يليق بمكانتها وتاريخها وثقافتها في المنطقة. هذا هو جوهر الحوار الذي اقترحته على الرئيس حسن روحاني.

أما المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فقد أرسينا معها علاقة تتسم بالثقة الكبيرة، كما يتضح من مشاركتي بصفة ضيف شرف في الاجتماع الذي عقدته دول مجلس التعاون في أيّار/مايو الماضي. كما قرّرت فرنسا التعامل مع مصر بوصفها جهة فاعلة رئيسة في الشرق الأدنى، فاستقرار مصر أمر أساسي وهي تتوقع الكثير من فرنسا، وقد تأكد لي ذلك مجددا إبّان تدشين الممر الجديد في قناة السويس.

إن جميع آيات التقدير التي يتلقاها بلدنا من بلدان مختلفة جدا وعلى خلاف أحيانا بعضها مع البعض، هي نتاج السياسة التي اعتمدناها منذ ثلاثة أعوام. وهذا الامتنان يحمّلنا مسؤولية في الشرق الأوسط، لذا علينا أن نعمل على تجديد أفق عملية السلام في الشرق الأوسط، إذ ليس هناك بديل لحل الدولتين.

لم يسفر دفن عملية أوسلو إلا عن تتالي الأزمات وأعمال العنف، كما حصل في غزة في العام الماضي أو قبل بضعة أسابيع من أعمال لا توصف أدّت إلى الوفاة المأساوية لطفل في الضفة الغربية. ليس الوضع القائم غير محتمل فحسب بل هو خطير أيضا، ويصب في صالح الجهات المتطرفة. وفرنسا ستسعى إلى صون مكان للسلام، الذي يمثل الغاية من اقتراحنا المتمثل في توسيع نطاق المسؤولية الدولية عبر إقامة مجموعة دعم تضم الرباعية، أي الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، بالإضافة إلى البلدان العربية والأوروبية التي ترغب في بذل جهودها لمساندة هذه العملية.

آخر تعديل يوم 01/09/2015

أعلى الصفحة