مداخلة رئيس الجمهورية في افتتاح القسم الجديد لفنون الإسلام في متحف اللوفر(2012.09.18) [fr]

السيدة وزيرة الثقافة،

السادة الوزراء،

السيد رئيس اللوفر،

السيدات والسادة،

في العشرين من أيلول/سبتمبر 1792 تم إعلان أول جمهورية فرنسية.
عشية ذلك قررت الجمعية التشريعية إنشاء مكان في اللوفر حيث يمكن وضع "لوحات وغيرها من التحف والآثار المتعلقة بفنون الزخرفة الموجودة في كل الدور الملكية". هذا يعني أنه حتى قبل إعلان الجمهورية، أراد الثوار إقامة متحف كبير.

و بعد عام فُتحت أبوابه. وبما أنه أقيم في قصر الملوك فقد أصبح ملكاً غير قابل للتصرف لشعوب فرنسا.
إن متحف اللوفر الذي يشكل غنى أمتنا هو اليوم أكبر المتاحف في العالم. ولم يَكُف عن التطور لأن التراث هو ملك حي.

ذلك أن اللوفر هو أكثر من متحف إنه إحدى مؤسسات الجمهورية التي كانت وليدة أكثر من قرنين من المعارك والفتوحات، هذه المؤسسة التي تزداد مكانتها ونجاحها دائماً بشكل مذهل: ففي خلال 10 سنوات تضاعف مرتين تقريباً عدد زوار اللوفر حيث بلغوا 9 ملايين اليوم، بعدما كانوا أكثر من 5 ملايين بقليل. 35 في المئة من الزوار هم فرنسيون، ونصف الزوار لا تتجاوز أعمارهم الثلاثين، الأمر الذي يؤكد نجاح هذه المؤسسة الدولي لدى جميع الأجيال.

إنها مرحلة إضافية نجتازها اليوم.
إنها تندرج في سياق مكمل للفكرة الجميلة، الفكرة العظيمة لمتحف اللوفر، واللوفر الكبير، التي تصورها وأرادها فرنسوا ميتران وجاك لانغ الموجود هنا.

إنها معركة حقيقية أطلقاها قبل 30 عاماً، إنها إحدى المعارك التي يقدر بلدنا أن يشنها وأحياناً مع نفسه بالذات. وبالنظر إلى ذلك، فان النضال جرى داخل قاعات انتظار المتنفذين في قصورنا الوطنية وفي أروقة وزاراتنا.
إنها معركة قد تم كسبُها. وتميزت أولاً ببناء الأهرام، الذي لقي اعتراضاً في وقت معين، ثم بإقامة وزارة المالية في بيرسي التي واجهت اعتراضات لأسباب أخرى، وباستعادة التويلوري.
وتمت قيادة المعركة ضد كل أشكال التحفظ، وضد كل أنواع الجمود، وضد كل المقاومات السلبية، وكان لا بد لجميع وزراء الثقافة المتعاقبين من التحلي بالجرأة والتصميم، ورؤية ما في مقدور الدولة القيام به، وما ينبغي أن تفعله من اجل الثقافة.

إن افتتاح مساحات جديدة مخصصة لفنون الاسلام يشكل الفصل الأخير في تاريخ هذه المعركة.
ولقد تطلب هذا الإنجاز أيضاً إرادة سياسية قوية، بغض النظر عن التغييرات والتداول في السلطة. جاك شيراك هو الذي أعلن في 2003 إنشاء هذا القسم الجديد مذكراً بالإسهام الأساسي لحضارات الإسلام في ثقافتنا.
في 16 تموز/يوليو 2008، وضع نيكولا ساركوزي الحجر الأساس وتوصل أيضاً إلى تعزيز دعائم التمويل وتعبئة عمليات أخرى.
واليوم يعود لي افتتاح القسم الثامن من متحف اللوفر.

أحيي أولئك الذين من خلال كرمهم ووعيهم الحاد والرفيع قد جعلوا هذه اللحظة ممكنة. وببساطة بسبب هاجسهم للسماح لنظر الجميع بمشاهدة عجائب فنون الإسلام، وأخص بهم ملك المغرب وأمير الكويت وسلطان عمان ورئيس جمهورية أذربيجان وكذلك الأمير الوليد من العربية السعودية، إنهم من بين العديد من الشركاء في القطاعين العام والخاص، في فرنسا وأماكن أخرى الذين ساهموا في هذا المشروع الذي بلغت كلفته 100 مليون أورو. إنها أوسع عملية رعاية للفنون لم يشهد متحف اللوفر لها مثيلاً في السابق. إلى ذلك، أريد التذكير بأنه سيستمر تحفيز وتشجيع الرعاية للفنون والآداب، ذلك لأنها فرصة لبلدنا. وبفضل الدولة من خلال موازنتها والتبرعات، نكتشف اليوم الكنوز التي جُمعت وعُرضت الآن.

كانت فرنسا تمتلك منذ زمن بعيد، بعيد جداً، إحدى أجمل المجموعات في العالم في ميدان فنون الإسلام. كانت قد نسيتها وتركتها تتراكم في المحفوظات، وكانت تحشر هذه الروائع في صناديق، وتبعثرها في أماكن، لاسيما في متحف فنون الزخرفة. وما كان ينقص هذه التحف حتى اليوم هو المكان: ولقد عُرض للجمهور عشر القطع الجاهزة فقط.

وهكذا فان الوضع الشاذ قد أُصلح ووُضِع حد لهذا الظلم.
ومن الآن فصاعداً، ما يُعرض من تحف يقدر عددها بنحو 3000 قطعة مصدرها اللوفر ومتحف فنون الزخرفة. ولقد عرضت في مكان رائع ألا وهو في هذه اللفتة الهندسية الكبرى التي نكتشفها من أعمال ماريو بلليني ورودي ريكيوتي اللذين سجلا في باحة فيسكونتي عملاً طليعياً هو الأكثر جرأة في التاريخ الأكثر مجداً وإحتراماً حيث تمكنا من مزج الحداثة مع التاريخ.

إن قسم فنون الإسلام هذا هو مشروع رمزي رائد لأكثر من سبب.
أولاً، إنه مفهوم للثقافة، الثقافة المنفتحة على الجميع. كل مواطن وكل شخص له الحق بالتمتع بالجمال والإبداع. لا يجب استبعاد أحد لأي سبب كان، والأسوأ هو الانحياز والجهل. إنها مهمة وزيرة الثقافة أوريلي فيليبيتي للعمل على استدامة هذه المساواة. ولهذا وضعت الحكومة التربية الفنية في أولوياتها، لأن ما من شيء فطري. والجميل حين يكون نتاج الروح يتم أيضاً تعلمه. وعلى هذا التعليم السماح للأولاد، جميع الأولاد، باكتساب أكثر من مجرد معرفة، بل إكتساب فضول وحساسية وتسامياً وعزة أيضاً.

ثم يجسد هذا المشروع إرادة تعزيز الرسالة العالمية لمتحف اللوفر نظراً لعالمية الثقافة.
الحضارات ليست معسكرات تتجاهل بعضها البعض أو تتصادم. وتتطور الحضارات بفعل لقائهن وحوارهن.
هكذا تتكلم عظمة الفن: إنه يرفعنا حين يديرنا باتجاه الآخرين، إنه يجعلنا أكثر وعياً بأنفسنا. فالثقافة كما كان يستحضرها بودلير هي "دعوة للسفر". السفر في الزمان والسفر في المكان. والسفر أيضاً في حميميتنا الخاصة بنا.
زوار العالم بأسره الذين سيكتشفون فنون الاسلام سيحتشدون قريباً في هذه الصالات، وسيعبرون إذاً المحيطات والقرون وكذلك أيضاً لاكتشاف جزء من ذواتهم. هذا يصح بشكل خاص على الفرنسيين والأوروبيين الذين سيُفاجأون كم أنهم مدينون لثقافات الشرق. وهناك أمثلة لا تعد ولا تحصى: تاج محل والأرقام العربية والعلاقات الوثيقة التي توحد الفيلسوفين الإغريقي والمسلم أرسطو وإبن رشد. وهكذا نتشارك في الآثار ذاتها، ويربطنا التاريخ بوشائجه، نحن ورثة هذه الثقافات التي تجمعنا.

السيد الرئيس إنك ألمحت إلى جرن المعمودية الرائع الذي يعود لزمن القديس لويس، هذه التحفة الابداعية المملوكية استُخدمت مدة قرون لعمادة أطفال ملوك فرنسا. إنه افشاء لمعلومة، أن يغطس ملوك الحق الإلهي في التحف والآثار الاسلامية. نحن لم نكن على علم بذلك. هذا ما يذكرنا بهذا الأصل المشترك أحياناً.

وأفكر أيضاً بهذا الإبريق بعروة الذي يعود لمرحلة مصر الفاطمية الذي كان جزءاً من كنوز دير سان ـ دوني.
ومرة أخرى ثمة بديهية هي وجود صلات مشتركة لا حصر لها بين أوروبا المسيحية وثقافات الإسلام.
أقول "ثقافات الإسلام" لأن هذا العالم مكون من ألف عالم وعالم، إنه متنوع.

متنوع العصور. فالمجموعات المعروضة هنا، والتي تعود للحقبة الممتدة من القرن السابع إلى القرن التاسع عشر، تدعو إلى مسار عبر الزمان حيث لكل لحظة معناها وهويتها وروحها ونورها.

متنوع الأمكنة. من إسبانيا إلى الهند ومن مصر إلى إيران ومن تركيا إلى ماليزيا ومن سمرقند إلى بلاد ما وراء نهر أوكسوس المعروف بجيحون، إنها الفنون الأندلسية والمملوكية والعثمانية والفارسية وغيرها الكثير التي تظهر هنا. فاللغات والتقاليد تتشابك وتختلط وتتجاوب وتساهم في فسيفساء الثقافة هذه في ديار الإسلام.

وأخيراً تنوع الإلهام. فالإلهام هنا مدني أو ديني على حد سواء، متأثر بالهلينية او الاستشراق، وبتأويل متعدد الطرق لتحريم تمثيل الوجه. فلا النصوص ولا الأعمال الفنية ولا حتى البشر لهم وجه واحد. ولهذا يتم تصويرهم وتمثيلهم بألف طريقة.

ليس هناك حضارة اسلامية واحدة بل حضارات في الاسلام. كلها مرهفة في ذوقها الادبي والفني ومشرقة. وكما بانت هنا، فهي أدلة بقدر ما هي فضاءات من الحرية. إنها تقوم على التسامح إزاء كل تأويلات العالم. وهي تنطلق من الدين لإعطاء العمل الإنساني كل قوته.

إنه لشرف للحضارات الإسلامية أن تكون أقدم وأكثر حيوية وأكثر تسامحاً من بعض الذين يزعمون بتعسف اليوم التحدث نيابة عنهم. إنها بالضبط عكس الظلامية التي تبيد المبادئ وتدمر قيم الاسلام حين تحمل هذه الظلامية العنف والكراهية.

نعم، ما أجمل هذه الرسالة، ما أجمل هذه الرسالة المعطاة هنا عبر الفنون في متحف اللوفر. لأنه في ظل وفرة هذه الأعمال الفنية والأدبية، وأمام هذا الكم من الصبر الموظف لخدمة التناغم، ندرك بان أفضل سلاح لمحاربة التعصب، الذي يزعم انتسابه للإسلام، موجود في الاسلام نفسه.

يجب في كل لحظة الدفاع عن الإبداع وكذلك عن الجمال. وهنا في فرنسا كلما تعرضت كرامة الإنسان البشري وحرية التعبير، للتشكيك والاعتداء، سنكون هنا، في اي مكان في العالم. إذ حين يُنهب التراث سيكون مثابة إعتداء على كل الحضارات، وسنكون هنا من أجل مكافحة كل المجموعات التي تقودها حماقة لا حد لها، تُضعف كل حضارة. أفكر بما جرى مؤخراً من تدمير لأضرحة تومبوكتو التي هي بمثابة غنى حقيقي للإنسانية جمعاء.
وباسم هذه الحرية تتشرف فرنسا اليوم بوجود هذا المتحف الأكبر في العالم، وتتشرف بهذه المجموعة الأجمل لفنون الإسلام، وتتعهد بحمايتها وإبرازها وعرضها أمام مرأى الجميع من دون أي حصرية. أريد الإعراب عن إمتناني التام لفرق متحف اللوفر التي أمنت حسن إدارة المشروع حتى النهاية. وأريد القول أيضاً لأمينة حفظ المتحف صوفي ماكاريو، كم أنا معجب بمثابرتها وشجاعتها وبالخيارات التي قد اتخذتها مع فرقها. ولم يكن من السهل الانتقاء في ما بين هذه العجائب. وهي لم تحسن في التوصل إلى ذلك إلا لأن الرئيس هنري لواريت إعتبر ـ وكانت هذه أيضاً إرادة الجمهورية ـ بأن لا حدود ولا قيود لمتحف اللوفر سوى ربما القيود المالية.

وفي الوقت الذي تُعرض فيه في باريس أجمل مجموعة في العالم لفنون الإسلام سيُفتتح أيضاً في شهر كانون الأول / ديسمبر، متحف اللوفر ـ لانس، وهو واجهة عرض جديدة للمتحف، وستنطلق في أبو ظبي أعمال بناء متحف يستضيف الفن، كل أنواع الفن، مع اعمال من كل المشارب والأصول ولوحات من كل الديانات.
هكذا تحققت إرادة أعضاء الجمعية التأسيسية لعام 1792، حيث انهم لم يدروا بأننا سنكون هنا يوماً في هذا الإفتتاح، لكنهم وضعوا الشروط وأوحوا بأن يكون اللوفر ملكاً للجميع، وحتى بما يتجاوز الأمة وكذلك فرنسا، لكي يسمح لناظري العالم بالمجيء لرؤيتنا هنا. هذا القسم المخصص لفنون الإسلام هو، على حد سواء، مشروع فني ذو بعد كبير، وعمل هندسي ناجح ذو موهبة كبرى، وتظاهرة دولية متقنة بكل ما لهذه الكلمة من معنى، ولفتة سياسية لصالح التناغم والإحترام والسلام. هذا العمل الذي أقمناه معا هنا في القسم المخصص لفنون الاسلام هو فعل ثقافة وثقة وسلام، إنه فعل سياسي.

وشكراً للجميع.

آخر تعديل يوم 17/03/2014

أعلى الصفحة