كلمة وزير الثقافة عز الدين ميهوبي بمرسيليا في افتتاح معرض "صنع في الجزائر" [fr]

كلمة وزير الثقافة عز الدين ميهوبي بمرسيليا في حفل الإفتتاح الرسمي لمعرض
صنع في الجزائر: جينيالوجية أرض

الثلاثاء 19 جانفي 2016

JPEG

معالي وزيرة الثقافة والاتصال السّيدة فلو بيلران ،
سعادة السفير المفوّض فوق العادة للجزائر بفرنسا، السيد عمار بن جامع،
سعادة سفير فرنسا بالجزائر، السيد برنار إميِ،
السيد جان فرنسوا شونيِي، رئيس متحف الحضارات الأوربية والمتوسّطية،
أيها الحضور الكريم.

أودّ في البداية أن أشكر السيدة فلور بيلران التي شرّفتني بدعوتها لحضور تدشين هذا المعرض الكبير ومشاركتها هذه اللحظات البهيجة التي تشهد على رغبتنا المشتركة في تطوير علاقاتنا الثنائية.

بدافع من رئيسي بلدينا تجد الجزائر وفرنسا نفسيهما في مسار روابط التعاون المثالي الذي يرتكز على المصالح المشتركة وعلى الاحترام المُتبادل. كما أنّ موضوع التاريخ والذاكرة الذي كان يُنظر إليه دوما من الزاوية السياسية أضحى اليوم محل اهتمام النّخب المثقّفة.

إن كانت الجزائر اليوم في صلب الحدث من خلال هذا المعرض، فإن فرنسا كانت هي أيضا في نفس درجة الاهتمام خلال معرض الجزائر الدّولي الأخير للكتاب بصفتها ضيف شرف خاص منحته صبغة معبّرة ونوعية.

وأستغلّ هذه السّانحة للتعبير عن شعوري بالّرضى للتّطوّر المستمر للعلاقات والتبادل الثقافي بين بلدينا وللسّير الحسن لجسور التواصل الثقافي في الاتجاهين ، وهو ما يدلّ على التزامنا المشترك في ترقية الحوار الثقافي لاسيما في الوضع العالمي الرّاهن. إنّ هذا يدلّ على أنّ الثّقافة كانت دوما وعلى مرّ التّاريخ جسرا للتبادل بين الشّعوب وبين الحضارات ولم تكُن سبابا أو حُجّة للصّراعات.

كما أنّني مسرور بوجودي هنا في متحف الحضارات الأوربية والمتوسّطية. إنّ هذا الصّرح الرّائع والقريب منّا بحكم تواجده في الضفة المطلّة على البحر الأبيض المتوسّط يعطي مدينة مرسيليا ميزة إضافية تؤهّلها لترقية التبادل الثّقافي والتعايش بين الحضارات.

إنّ عصر الحروب البونيقية والصليبية والقرصنة في البحر الأبيض المتوسّط قد ولّى، فالوقت الآن للقيم الثقافية التي تُمنح الانسانية الحق في الاختلاف والحق في التّنوّع.

ويُعدّ هذا المتحف الرّائع فضاءً مشتركا لضفّتي البحر الأبيض المتوسّط الذي التقت وتفاعلت فيه شعوبها منذ أمد بعيد.

طوال تاريخه نطق حوض البحر الأبيض المتوسّط بلغة الحكمة كما نطق أحيانا بلغة العُنف، أمّا اليوم أعتقد أنّنا أقرب من الحكمة التي كان هو مهد نشأتها.
إنّ الحكمة هذه هي التي تغذّي جهودنا المشتركة لبناء مستقبل أفضل ومزدهر يضمن الأمن والتنمية الدائمة لكل بلدان البحر الأبيض المتوسّط.

وتتميّز مدينة مارسيليا بحكم موقعها الجغرافي وكإحدى المدن التاريخية في حوض البحر الأبيض المتوسّط أنّها مدينة التنوّع الثقافي ومدينة الانسجام بين المجموعات البشرية.

سيداتي، سادتي،
إنّ الجزائر بتاريخها الحافل الذي يمتد عبر ألاف السّنين والتي تزخر بتنوّع ثقافي عريق ساهمت في نشأة وفي بناء حضارات البحر الأبيض المتوسّط، وغالبا ما كانت في صلب الأحداث التاريخية الكبرى.

وهذا هو المُنطلق الذي يجعلنا نعطي أهمية مميّزة للذاكرة بغرض توصيلها للأجيال لأنّنا نؤمن أن تجزئة التاريخ هو تجزئة للهويّة.

إنّ الجزائر التي تزخر بموروث ثقافي مستمدّ من القِدم يمتدّ من فترة حكم تين هينان ملكة الطّوارق، مرورا بأبوليوس والقديس أغسطين والأمير عبد القادر، تسعى جاهدة من أجل حفظ الذّاكرة الجماعية لاسيما من خلال منظومتها المتحفية والإبداع السينمائي والمسرحي وفي النّشر ومن خلال منظومتها التربوية. ولهذه الأسباب أجد نفسي معجبا بهذا المتحف الذي يرمز إلى تراثنا المشترك.

وإن كان حضوري اليوم هو للاستمتاع بمعرض يحاكي جانب من تاريخ الجزائر فإنّ ذلك راجع لكون شعبينا تعلّما كيف يمدّان جسور الثقة والتبادل بينهما. إنّه المعرض الذي يروي جزء من تاريخنا المشترك في لوحات بيانية لأمّتين ولدولتين ذات سيادة.

ولا تفوتني مناسبة دون تمجيد السّلام الّذي نحن بحاجة إليه لاسيما في الوضع الرّاهن الذي تمرّ به عديد من الدّول العربية وفي الوقت الذي استفحل فيه العنف جرّاء الارهاب الهمجي في مناطق عدّة من العالم. فكم نحن مستاؤون من إقحام الأديان في دوّامة العنف هذه !

وإذ أتكلّم اليوم في هذا الموضوع، لأنّني أدرك ما معنى الإرهاب وما هي أهدافه. فالإرهاب لم يكن دوما أعمى كما يعتقد البعض بل هو عمل مقصود يخضع لغايات محدّدة. إنّ الجزائر التي دفعت ثمنا باهضا لمحاربته بكل صبر وعزيمة تدرك جيّدا مداه.

إنّني أرى في هذا المتحف ما يجعلنا ندرك جيّدا ما قدّمته الحضارة الإسلامية للقيم الانسانية التي تجمعنا.

معالي الوزيرة
أيها الحضور الكريم

إنّ واقع الثقافة في الجزائر، وبإرادة قويّة لخامة رئيس الجمهورية السيد عبدالعزيز بوتفليقة، عرف تحوّلات جذرية وتنمية معتبرة وتطوّرات مذهلة. ويعتبر تكريس حرّيات التّعبير والرّأي والإبداع والقيم المرتبطة بالحرّية والعدالة والتضامن الأبعاد التي تسعى الحكومة الجزائرية جاهدة من أجل تعميقها وتكريس تجربتنا الديمقراطية.

إنّ تطوير وتثمين قيم هويّة الأمّة والتأكيد على مكانة الثقافة في استراتيجية التنمية المستدامة وترقية الأليات المناسبة لممارسة الفعل الثقافي وترقية التوزيع والاشعاع الثقافيين تُشكّل منطلقات تمّ إدراجها ضمن الحقوق الأساسية التي يكرّسها مشروع تعديل الدّستور. وعليه، أضحت الحقوق الثقافية وواجبات الاعتناء بالتراث الثقافي المادي وغير المادي ضمن المبادئ الأساسية التي ترتكز عليها الحوكمة في الجزائر.

وقبل أن أختتم هذه الكلمة، أودّ الإشادة بتوافق وجهات نظر بلدينا فيما يتعلّق بالرهانات الثقافية الحالية. إن الجزائر وفرنسا كلاهما يشتركان في قناعات معبّر عنها في هيئات منظمة اليونسكو والمنتديات الدولية الأخرى لاسيما فيما يتعلّق بالتّنوّع الثقافي وحماية التراث الثقافي المادي وغير المادي.

إنّ إصرارنا على حماية الإبداع الثقافي من منطق وتأثيرات السوق وحماية التّنوّع الثقافي نابع من قناعاتنا الرّاسخة أنّ الثقافة وحدها تجعلنا نُعجب بالمواهب أينما وُجدت ونؤمن بمبدأ احترام الشعوب وانتماءاتها وأصولها.

سيّدي رئيس متحف الحضارات الأوربية والمتوسّطية أتمنّى لهذا المعرض الهام كامل التوفيق والنجاح.
شكرا لكم على الإصغاء.

آخر تعديل يوم 24/02/2016

أعلى الصفحة