خطاب لوران فابيوس في مدرسة "بوليتكنيك" 25 حزيران/يونيو 2013 [fr]

فرنسا ، "قوة تأثير"، في مواجهة تغيرات العالم

السيدات والسادة،

كان أحد أسلافي، كلود شيسون ، الذي توفي مؤخراً، من قدامى طلاب معهدكم. ولقد طلب أثناء تعيينه في 1981، نظراً لدقة الفكر الذي يميز "بوليتكنيك" بالتأكيد، أن "يكون وزيراً للعلاقات الخارجية" وليس "وزيراً للشؤون الخارجية"، شارحاً بأن "لا وجود للشؤون الخارجية، ذلك أن السياسة الخارجية هي جزء لا يتجزأ من السياسة الوطنية".

وإذا لم يبق الإسم على حاله إلا أنه كان على حق بالأساس. وما كان صحيحاً في 1981 لهو أصح اليوم. فالقسمة بين "الداخل" و"الخارج" أضحت أقل ملائمة. إذ أن العولمة الاقتصادية والمالية، وازدياد الحركات والجهات الفاعلة العابرة للحدود لا تشكل ظواهر جديدة فحسب ولكن نظراً لحجمها، نشهد اختلاطاً متنامياً بين ما ينتمي إلى الدائرة الوطنية وما ينتمي إلى الدائرة الدولية. فالشؤون الدولية والشؤون الداخلية هما وجهان لواقع واحد ـ أي إلى عالم جديد ـ ومن الأهمية بمكان فهم ذلك جيداً.

وسأكرس كلامي التمهيدي، وقبل الرد على أجوبتكم، لتحليل هذا العالم الجديد ولأعرض أجوبة سياستنا الخارجية للتكيف معه وتوجيهه.

***

أنطلق من معاينة بديهية، ولكن لم يُشدد عليها بما فيه الكفاية وهي: أننا لا نعيش فقط فترة أزمة ، أو بالأحرى سلسلة أزمات، بل تغير العالم. والحديث عن الأزمة يعطي انطباعاً بأنه يمكننا العودة بعد مرحلة قصيرة إلى حد ما إلى ما يشبه الوضع السابق.

لن يكون الأمر على هذه الحال: وفي ما يتعلق بفرنسا، يتعين علينا إجراء النهوض اللازم على ضوء مكانتنا الجديدة في العالم.

لا يقبل هذا العالم لوصفه بأن يختصر ببعض الأشكال المبسطة وأحياناً المتقدمة. وأخطأ أولئك الذين كانوا يتخيلون هذا العالم الجديد على شكل طوباوية سلبية، وعلى سبيل المثال كعالم شمولي كلي، منذ وصف "أفضل العوالم" حتى 1984 لأورويل.

ولئن وجدت علاقات متضاربة ، فهذا العالم لم يسقط كذلك ـ على الأقل حتى الآن ـ في المواجهة الشاملة. ومع ذلك، فان جميع أولئك الذين كانوا يتخيلون المستقبل، بالعكس، كعصر ذهبي ـ نتذكر موضوع "نهاية التاريخ" ـ قد أخطأوا بشكل متواز.

عالم مشوش

في الواقع، يتعلق الأمربعالم قد أصفه بالمشوش. ثمة حركات بنيوية الأديم بحجم استثنائي تبعث الحياة في النظام الدولي ـ أفكر على سبيل المثال بصعود قوة البلدان الناشئة أو بتغير المركز الدولي للولايات المتحدة ـ ولكن هناك المقولات ذاتها، التي تساعدنا على وصف العالم، تميل إلى فقدان محتواها.

فالحدود السهلة الإختراق التي كانت في ما مضى ترسم حدود الدول ذات السيادة هزت بنيان العالم "الويستفالي"، أي منذ معاهدة ويستفاليا المتعلقة بالدول وبالديبلوماسيين.

فالثورة الرقمية، وببساطة أكثر، التقدم في المواصلات والاتصالات شوش هذا المفهوم ـ ناهيك عن التحدث عن التكامل الأوروبي. ومع ذلك، يبقى عالمنا، في الوقت نفسه، متأثراً بالجغرافيا ـ بالطاقة أو المناخ على سبيل المثال.
كما ألاحظ تشوشاً في المقولات التقليدية في قيادة الحرب.

لقد مضى زمن طويل لم نعد نعلن فيه الحرب بطريقة رسمية بين الدول: فالتمرد والتمرد المضاد، ولكن أيضاً الحروب الأهلية، أصبحت تقريباً "المعيار" في استخدام العنف.

فحين يجري قصف عبر طائرة من دون طيار للقضاء على خلية إرهابية في اليمن، بعيداً عن ساحات القتال المعلنة، فهل هذا يتعلق بالحرب، أو بالحفاظ على النظام العام أو بعملية شرطة؟ هنا أيضاً، يختلط الداخل بالخارج.

تكمن المفارقة أنه في حين يتم التشكيك بالمقولات التقليدية في قراءة النظام الدولي، تتمسك البلدان الناشئة بنسخة ويستفالية للعالم على وجه العموم. وتطالب بلدان "البريكس" التي توصلت إلى حجز مكان لها في الصفوف الأمامية للقوة، والتحكم بمصيرها، بإعادة توازن القوة العالمية لمصلحتها.

لكنها تحارب في الوقت نفسه التطورات الضرورية لتكييف الاطار المتعدد الأطراف مع تغيرات العالم، كالتطور الذي تشكله "مسؤولية الحماية" التي وضعتها الأمم المتحدة والحد من السيادة في بعض الحالات أو لمواجهة بعض التحديات.

عالم مشظى

هذا العالم المشوش هو أيضاً عالم مشظى. وكان وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر يشير إلى التوازن والشرعية كقاعدتين أساسيتين للنظام العالمي: أستنتج بأن توازنات القوة آخذة في التغير، بينما إدراك شرعية النظام يبدو على تراجع.

في الواقع، ثمة هرمية جديدة للقوى قلبت أوضاع عالمنا: كانت أوروبا تهيمن على الكرة الأرضية حتى الحرب العالمية الأولى. وهيمنت الولايات المتحدة على القرن العشرين.

ويعتقد كثيرون بأن العمالقة الجدد، وهم الصين والهند وربما البرازيل، سيهيمنون على هذا القرن. وعلى العكس، إذا كانت ثلاثة بلدان أوروبية هي اليوم في عداد القوى الاقتصادية الست الأولى في العالم، فإننا ربما لن نجد أياً منهم في 2030.

بعد عشرين عاماً، أي في 2050، سيكون هناك 19 بلداً يسمى "ناشئاً"، في الحقيقة هو "بارز"، من بين الاقتصادات الثلاثين الأول ـ حتى ولو حدثت مفاجآت في أثناء ذلك.

هذا النظام الدولي ليس سوى هرمية جديدة للقوى: فتنظيمه وتشغيله طرأ عليهما أيضاً تغيير. في ما مضى كان النظام ثنائي القطب ثم لفترة وجيزة أحادي القطب منظماً حول الولايات المتحدة، والعالم اليوم ليس متعدد القطب بعد، بعكس ما يقال في بعض الأحيان بطريقة متسرعة جداً.

هذا العالم الجديد الذي أصفه بالأحرى بأنه غير قطبي أو متشظٍ، لأننا نستنتج، وأبعد من تعددية المتدخلين، تنوعاً متزايداً لأبعاد القوة، و"تشظياً" لمفهوم القوة هذا بالذات.

وهكذا تبقى الولايات المتحدة قوة دولية كاملة، لكنها لا تفرض نفسها بالفعل في الصف الأول إلا على الصعيد العسكري، وإلى حد أقل، على الصعيد الثقافي.

وفي ما يخص الأبعاد الأخرى للقوة، فالتعددية هي التي تهيمن. وعلى سبيل المثال، لا يزال الاتحاد الأوروبي، رغم صعوباته المالية، جهة فاعلة إقتصادية من الطراز الأول قادرة إذا تحلت بالإرادة على لي ذراع مايكروسوفت وإبرام إتفاقات تجارية مؤاتية مع البلدان الكبرى أم لا.

والصين من جهتها تفرض ذاتها عبر استثماراتها وجالياتها في الشتات.

وتترافق هذه القوة غير المتجانسة أكثر فأكثر مع تزايد الجهات الفاعلة في النظام الدولي: واستشهد بلا نظام من بين هذه الجهات بالمنظمات غير الحكومية، والشركات المتعددة الجنسيات، والمجموعات الإرهابية، والمنظمات الإقليمية أو المجموعات المختلفة مثل أنونيموس أو ويكيليكس.

إنه تطور سيتضاعف تحت تأثير نشر التقنيات، لاسيما تقنيات الاتصال والدمار. وحين تمتلك مجموعة إرهابية طائرات من دون طيار أو، في سياق آخر، تقود منظمة دينية كايطاليي سانت إيجيديو وساطة ناجحة في موزامبيق،يختفي نظام ويستفاليا مرة أخرى لإفساح المجال لعالم جديد.

هذا العالم الجديد، هذا العالم المتشظي بين أقطاب متنافرة وجهات فاعلة جديدة، يثير ويواجه تحديات رهيبة. ذلك أن نظام المنظمات الدولية الذي أقيم بعد الحرب العالمية الثانية، والذي تكيف على الهامش منذ ذلك الحين، يتوصل بصعوبة أكثر من الأمس للرد على توترات اليوم.

وهذا النظام غالباً ما يكون معتلاً: نراه اليوم في ما يخص سورية أو إيران النووية، ونراه في جمود مفاوضات جولة الدوحة الإنمائية في منظمة التجارة العالمية أو في الصعوبات التي تواجهها المؤتمرات حول المناخ ـ هو تحد موجه مباشرة إلينا نحن الفرنسيين، لأننا البلد المضيف في 2015 لأكبر مؤتمر حول التغير المناخي.

وعلى وجه التحديد، يشتمل احد أبعاد جهودنا الديبلوماسية البحث عن تكييف هذه المؤسسات الكبرى المتعددة الأطراف لكي يتاح لها تنظيم عالم الغد، في مجال الأمن، ولكن أيضاً في مجالات التنمية والمال أو البيئة.

عالم متردد

هذا العالم المشوش والمتشظي هو أيضاً عالم متردد. إذ كانت التسعينات سنوات للانفتاح الدولي وتقدم التنظيم (منظمة التجارة العالمية والمحكمة الجنائية الدولية إلخ) والبناء الأوروبي. وكانت بالأحرى فترة عولمة متفائلة.

في المقابل، كانت سنوات 2010 سنوات تأكيد السيادات، والأزمة الأوروبية، وتراجع الانضباط الجماعي ـ التجارة والبيئة والقانون. هذا هو عصر العولمة المرتابة.

وهذا يُفسّر من خلال عدة عوامل. فالأزمة المالية أدت إلى تشنج السيادات. ويبدو أن توزيع القوة في النظام الدولي قد تطور من دون أن نعرف بأي وتيرة. والجميع يراقب الآخرين بريبة بانتظار رؤية أي خطوط جديدة للقوة سوف تفرض نفسها.

وهذا صحيح بشكل خاص في موضوع القوى الناشئة، التي تتساءل لمن ستكون الغلبة، وفي داخل ثنائي الصين ـ الولايات المتحدة. يوجد من جهة قوة متحفظة (الولايات المتحدة)، بعد عقد من الفعالية الدعاوية غير المنظمة، ومن جهة أخرى توجد قوة ناهضة (الصين) تبدو أحياناً مربكة بسبب وزنها ذاته.

سيكون تفاعلهما حاسماً ولكنه يبقى متردداً. ونشهد إذاً بداية استقطاب لعالم لا يعرف أحد حتى اللحظة كيف ستكون عليه بالضبط خطوط التقاسم وطبيعته. وهل سيكون الاستقطاب تعاونياً أم لا؟

إذاً ما من قوة تبدو قادرة حقاً على اتخاذ المبادرة. وتبدو الجهات الفاعلة مشلولة القوة جراء نوع من التردد الاستراتيجي: عالمنا في وضع انتظاري بينما تتراكم المشاكل.
**
في عالمنا الجديد هذا، تكيف فرنسا عملها الدولي من أجل الدفاع عن مصالحها الذاتية والتحرك ، على حد سواء، من أجل قيام نظام دولي أفضل تنظيماً وأكثر عدلاً. إنهما في الواقع الاتجاهان اللذان يتعين علينا السير بهما. ومن دون التخلي عن الأولى (مصالحنا) بسذاجة ولا التضحية بالثانية (التنظيم الأفضل) بصلافة.

لا تقف استراتيجيتنا عند حدود مصالحنا التي ينظر إليها على نحو ضيق أو على نحو فوري! وإذا تشبثنا بذلك يكون نظرنا قصيراً وقد نتجاهل مسؤولياتنا وخصوصيتنا، لاسيما بوصفنا عضواً في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

وفي الواقع، تحتل فرنسا مكانة خاصة في النظام الدولي الذي غالباً ما أصفه بمصطلح "قوة التأثير".

فماذا يشمل هذا المفهوم؟ وعلى الرغم من صعوباتنا، نحن القوة الاقتصادية والتجارية الخامسة. ونشكل مع ألمانيا المحرك الثنائي للاتحاد الأوروبي. نحن أحد الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. ونشارك في مجموعة الدول الثماني وفي مجموعة الدول الـ 20. ونمتلك القوة النووية وقوة انتشار واسقاط عسكرية فاعلة. وشبكتنا الديبلوماسية هي الثالثة من حيث حجمها في العالم. ونشع في العالم بفضل لغتنا وتعليمنا وبحوثنا. كما يُسمع صوتنا من خلال القيم التي ندافع عنها ـ الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان.

هذه هي فرادة فرنسا: نحن لا نضع ديبلوماسيتنا في خدمة مصالحنا وحدها، ولكن في خدمة ما نعتبره عادلاً دولياً. وإذا كانت فرنسا بلداً يُعتد به ويحافظ على موقعه، فهذا يعود لاسيما لقدرتها على رفع صوت يتجاوزها، ولقدرتها على أن تكون غالباً صلة وصل مسموعة إزاء أزمات العالم.

1) فرنسا "قوة معلمية واستدلالية"

ففي بيئة مضطربة، فرنسا هي "قوة معلمية واستدلالية" ويجب أن تبقى كذلك،تحمل المبادئ وتساهم في استقرار العالم الجديد.

وللعب هذا الدور، يجب على فرنسا أن تُحترم وتُعتبر كشريك موثوق به. وبهذه الروحية سنحرص على تحسين علاقاتنا مع البلدان التي تدهورت آنفاً معها هذه العلاقات، وهي الجزائر والصين واليابان والمكسيك وبولونيا وتركيا.

ويتعين علينا أيضاً الحفاظ على المبادرة في مجال تنظيم النظام الدولي، وبالضبط لأن العالم هو أكثر تشوشاً وأكثر تشظياً. ولقد استشرفنا نشوء عالم متعدد الأقطاب من خلال إنشاء مجموعة الـ 20 ومشروع إصلاح مجلس الأمن.

وفرنسا هي جهة تقدمية فاعلة في العلاقات الدولية، تقترح حلولاً وبدائل في إزاء عولمة مثيرة للقلق. إنها تساهم في تقديم أجوبة على تحديات زمننا الشاملة، كتغيير المناخ أو تجاوزات قطاع الصناعة المالية.

إلى ذلك، ألاحظ بأننا لا نزال، جنباً إلى جنب مع بريطانيا العظمى، وراء غالبية واسعة من قرارات مجلس الأمن ـ أي حوالي 80 في المئة منها.

هذه مهمة صعبة خصوصاً وأن الرياح المعاكسة قوية، ولاسيما ما يتعلق منها برؤية العمل المتعدد الأطراف بالذات. ويصدف لحسن الحظ أن نكسب معارك، كما جرى في بداية شهر نيسان/أبريل 2013 مع المعاهدة حول تجارة الأسلحة.

وفي أغلب الأحيان نصطدم بعدم الفهم. ذلك أننا نحمل رؤية منظمة للحوكمة العالمية، حيث أن تعزيزها يتطلب تقاسماً ضرورياً للسيادة. فالأميركيون يعتمدون مقاربة لهيئات الحوكمة غالباً ما تكون أكثر انتهازية. وروسيا متمسكة بسيادتها الذاتية وترفض أي تدخل.

ومن جهتها، تقبل البلدان الناشئة إنشاء مؤسسات طالما تحترم رؤيتهم لنظام دولي يقوم على عدم المس بالسيادات. ويظهر الفشل المتكرر في إنشاء وتعزيز المؤسسات الدولية بأنه يحسب حساب لهذه الاختلافات وبأنه لن يتم تجاوزها بسهولة.

من جانبنا، نعتبر أنه من المهم تكييف الحوكمة العالمية مع صعود ما يسمى بـ"الجنوب" ولو عن غير وجه حق.

نحن نعتقد بأن على النظام المتعدد الأطراف التطور لكي يبقى فاعلاً وشرعياً وتمثيلياً. ولكن شرط أن لا يصاحب هذا التطور شكل أدنى من النظام المتعدد الأطراف وبأن تتحمل البلدان الناشئة نصيبها من عبء الحوكمة العالمية.

وأذكّر في هذا الصدد بأن فرنسا هي أحد أبرز البلدان المساهمة في المنظمات الدولية وفي موازنات المساعدة للتنمية، بمفردها أو بالتعاون مع شركائها في الاتحاد الأوروبي، وأنها تشارك في كل التحالفات التي تحاول بناء مؤسسات متعددة الأطراف أكثر قوة وفاعلية.

وعلى صعيد الأمن، نحن نساهم أيضاً وعلى نحو حاسم باستقرار العالم الذي يشكل أحد المنافع العامة العالمية.

وأفكر على سبيل المثال بتدخلنا الأخير والناجح في مالي، الذي لولاه لكان كل غرب أفريقيا اليوم مهدداً من قبل نظام إرهابي يقوم على تهريب المخدرات.

وأفكر أيضاً بمشاركتنا بعملية أطلانط التابعة للاتحاد الأوروبي لمكافحة القرصنة في خليج الجزيرة العربية والبحر الأحمر، التي تؤمن حرية التنقل في البحار.

وهذه المسؤولية التي نتحملها تعرضنا للمخاطر، لكننا نتحمل ذلك أيضاً لأنها تساهم في أمن بيئتنا الخاصة بنا.

في سورية، القمع الدموي الذي يمارسه النظام هو مأساة تهدد كل المنطقة، وأبعد من ذلك تهددنا نحن، إذ أنه قد يترتب على الانفجار الإقليمي عواقب وخيمة.

هناك حتى اليوم 100 ألف قتيل وأكثر من مليون لاجئ. وتسوية النزاع تمر بحل سياسي يتطلب حواراً نحاول أن نجعله ممكناً مع عقد مؤتمر ما يسمى "جنيف ـ 2". ولتحقيق ذلك، يجب أن يتطور توازن القوى في الميدان.

نحن مجندون أيضاً على المستوى الإنساني إلى جانب السوريين والشعوب المجاورة ولإبعاد مخاطر استخدام الأسلحة الكيماوية. وهنا أيضاً، تظهر أضرار غياب نظام حقيقي متعدد الأطراف.

وفي مواجهة إيران، طورنا مع شركائنا في مجموعة الدول الخمس + 1 مقاربة مزدوجة تجمع العقوبات وعرض الحوار، بغية قبول إيران احترام إلتزاماتها بموجب معاهدة عدم الانتشار النووي وقرارات مجلس الأمن.

ومن المرجح أن تكون 2014 سنة القرارات الحقيقية.

في الشرق الأوسط، نحن مجندون لإعادة إطلاق عملية السلام وموقفنا جر العديد من البلدان إلى التصويت لصالح الاعتراف بفلسطين كدولة مراقبة غير عضو في الأمم المتحدة. لكن الأمور مجمدة حالياً.

كما أننا عززنا عملنا حول مواضيع الغد الكبرى: التنمية التي هي شرط الاستقرار والديموقراطية؛ ومكافحة التغير المناخي. ولقد سبق أن قلت بأن فرنسا ستستضيف في 2015 المؤتمر الدولي الكبير حول المناخ، ونحن نعمل على ذلك منذ الآن.

2) استراتيجية ديبلوماسية هجومية

لقد شددت على أنه يعود لكل دولة تأكيد مصالحها، في هذا العالم المتغير والمضطرب. هذا ما نقوم به. ونقود استراتيجية هجومية لخدمة مصالحنا وتأثيرنا.

وطموحاتنا التنظيمية ليست متناقضة مع ضرورة الحرص على مصالحنا الخاصة، ولقد طورت في هذا الصدد، وبالاتفاق مع رئيس الجمهورية، مقاربة للعالم الجديد من خلال العديد من التوجهات التي تساند بشكل ملموس مصالح فرنسا.

أ‌) يرتكز التوجه الأول على التواجد حيث يُبنى المستقبل.

يعمل 15 ألف شخص في الكي دورسيه وفي شبكتها. وتتطلب الجغرافيا السياسية الجديدة، التي شرعنا بها، إعادة تحديد عملنا وإعادة نشر مواردنا لكي تكون فرنسا متواجدة حيث يكتب تاريخ العالم المعاصر وعالم الغد.

ولهذا قد باشرنا أو عمقنا تكيف شبكتنا الديبلوماسية والقنصلية والثقافية.

وهذه لا يجب أن تكتفي بمواكبة تواجدنا في بلدان نرتبط معها بعلاقات سهلة وقديمة، إذ يتعين عليها أن تسمح لنا بتعزيز تواجدنا في مناطق جديدة بغية حمل قيمنا وأفكارنا ومعاييرنا وتكنولوجياتنا نحو قوى الغد.

يجب أن يتوجه عملنا، وهذا في مسار منطق الأشياء، لاسيما نحو الصين والهند والبرازيل. وسنركز مواردنا المعززة على هذه البلدان التي ليست دائماً شريكة سهلة.

وفي حين نعمل مع البلدان ـ القارات، لا ننسى أولئك الذين يطلق عليهم إسم الناشئون الجدد أو المتوسطون. ففي آسيا وأميركا وأفريقيا يجمعون جزءاً وازناً من هذه "الطبقة المتوسطة العالمية" الجديدة التي نريد الوصول إليها ـ في المكسيك وكولومبيا والبيرووتركيا وأندونيسيا وكذلك في أفريقيا الجنوبية.

وإذا كنت من جهتي، أخصص الكثير من الوقت لهذه البلدان، وإذا تضافرت جهود الكي دورسيه فيها، فلأننا نعتقد بأن مستقبلها ربما يكون حاسماً بقدر ما هو مستقبل البلدان الناشئة الكبرى، وبه نريد ربط مستقبلنا.

ب) الديبلوماسية الاقتصادية هي التوجه الجديد الذي اخترناه.

إنها مساهمة وزارة الشؤون الخارجية في الجهد العام للحكومة وللبلد من أجل النهوض الذي لابد منه بالاقتصاد. إنها التعبئة أيضاً لخدمة تأثيرنا، ذلك أنه لا يقتصر على وزنا الاقتصادي، إنه بالتأكيد مرتبط به على المديين المتوسط والبعيد.

وترتكز الديبلوماسية الاقتصادية على مرافقة شركاتنا بقوة في توسعها الدولي، ومساعدتها في غزو الأسواق، وتطوير الاستثمار الأجنبي في فرنسا بغية الحد من عجزنا التجاري وتشجيع خلق فرص العمل.

بهذا المعنى، ننظم أنفسنا لكي لا تكون وزارة الشؤون الخارجية فقط وزارة الشؤون السياسية أو العمل الثقافي الخارجي ولكن لكي تكون أيضاً وزارة الشركات.

وينمي ديبلوماسييونا من الآن فصاعداً " حسهم الاقتصادي" أكثر، وشركاتنا تقوي "حسها الديبلوماسي"، خصوصاً تلك الصغيرة أو المتوسطة الحجم، التي هي بحاجة إلى مساعدة من أجل الانطلاق على المستوى الدولي.

وتصرّف هذه الأولوية من خلال عدد من التدابير الملموسة. ولقد أنشأنا في داخل الوزارة مديرية للشركات والإقتصاد الدولي هي برسم الشركات والمسائل الاقتصادية. وتعزز تأهيل الديبلوماسيين الاقتصادي ويتم تشجيعهم للذهاب إلى اكتشاف عالم الشركات من خلال العمل فيها عدة سنوات.

ويضطلع سفراؤنا بصراحة من الآن فصاعداً بدور قادة فريق فرنسا للتصدير في بلدان إقامتهم. وعينت شخصيات مكلفة بمتابعة العلاقات بشكل أكثر خصوصية ، لاسيما على الصعيد الاقتصادي، مع بعض البلدان الأساسية بالنسبة لفرنسا ـ الصين وروسيا والجزائر واليابان والمكسيك والهند والبرازيل والإمارات العربية المتحدة.

كما تم تعيين "سفراء للمناطق" بغية مساعدة شركات مناطقنا على تطوير ذاتها على المستوى الدولي.

ولقد اتخذت مبادرات أخرى، كما جرى في نيسان/أبريل المنصرم، لتخصيص يوم للأبواب المفتوحة بعنوان "كي دورسيه الشركات".

ج) على وجه العموم، نتمسك بتطوير مجمل أدوات ما أسميها "ديبلوماسية التأثير".

ويساهم الاشعاع الثقافي والفكري والعلمي في زيادة وزننا السياسي ويشارك في بناء صورة إيجابية عن فرنسا. إنها أبعاد مكملة للجوانب السياسية والاقتصادية لسياستنا الخارجية.

ويستند هذا العمل إلى شبكة ثقافية ترتبط أيضاً بالكي دورسيه ولا يزال مداها لا مثيل له إلى جانب مئات المؤسسات الثقافية، وألف مدرسة تابعة للبعثة العلمانية (أليانس فرانسيز)، ومعاهدنا البحثية في العلوم الإنسانية والإجتماعية، وبعثاتنا الأثرية.

ويمكنه الاعتماد على شبكتنا التعليمية في الخارج ـ 500 مؤسسة تستوعب 300 ألف طالب في 130 بلداًـ ، وعلى الفرنكوفونية التي هي ورقة رابحة هائلة لكنها مهملة في فرنسا بعض الأحيان(220 مليون ناطق بالفرنسية اليوم، و750 مليوناً بعد 30 عاماً).

نحن نعمل أيضاً من أجل الاشعاع العلمي والتعاون في مجال البحث والتعليم العالي. ونضع بتصرف عالم البحث شبكة من 155 مستشاراً وملحقاً علمياً.

وشكلنا شبكة مكثفة من بنى البحث في الخارج: 27 معهداً فرنسياُ للبحث في الخارج، و150 بعثة أثرية في العالم، و30 وحدة دولية مشتركة تمثل أرفع مستوى من التعاون وتُطلق1700 بعثة كل سنة لاسيما من قبل المركز الوطني للبحث العلمي.

ويسمح هذا التواجد في كل أنحاء العالم بتأمين الوجود الفرنسي عبر عقد شراكات.

والتأثير هو أيضاً تشجيع التعليم الفرنسي العالي واستقبال الطلاب الأجانب ـ حوالي 300000 كل سنة.

ولقد إتخذت الحكومة تدابير من أجل تطوير جاذبيتنا في هذا الخصوص ـ إلغاء "تعميم غييان"، وتسهيل الحصول على التأشيرات، وشفافية أفضل لمناهجنا ومؤسساتنا المتميزة في جودتها.

فاستضافة الطلاب الأجانب في فرنسا، هي بمثابة تدريب آلاف السفراء غير الرسميين لبلدنا ليوم الغد.

3) فرنسا في قلب أوروبا

أخيراً يندرج عملنا بالطبع في الاطار الأوروبي: إنها مصلحتنا ومصلحة أوروبا ومصلحة العالم على حد سواء، بأن تتمكن أوروبا من الاضطلاع بدورها في العولمة. وفي مواجهة الأمم ـ القارات لا مستقبل مطلقاً خارج أوروبا.

ولكن هذه لا تزال بعيدة عن تنكب وظيفة مضاعفة التأثير هذه. إنها تمر بأزمة ليست إقتصادية فقط: إنها أزمة مشروع حقيقية. ففقدان الثقة كبير،بعد سنوات من إلإدارة الأوروبية التي لم تستجب لما تنتظره الشعوب.

إعتقادنا هو بأنه لإعادة إطلاق أوروبا يجب أن يعاد توجيهها. ولقد بدأنا بالعمل على ذلك منذ سنة. وروجنا لمقاربة أكثر توازناً تجمع ما بين ضبط الموازنات المالية العامة والنمو.

فلقد تُرجم التغيير، مع أنه غير مرئي كفاية من قبل الرأي العام، في العديد من الخطوات المتقدمة التالية: الميثاق الأوروبي للنمو وفرص العمل الصادر في حزيران/يونيو 2012؛ وآليات المساعدة المالية ومنح المساعدة للعديد من الشركاء الذين يواجهون صعوبات؛ وتنسيق أفضل للحوكمة الاقتصادية؛ وتدخلات واسعة للبنك المركزي الأوروبي؛ والانشاء التدريجي لاتحاد مصرفي حقيقي من أجل أمن إقتصادنا وأمن المدخرين.

هذا أمر إيجابي لكنه غير كافٍ. بعض البلدان متحفظة. ومن الواجب توسيع دائرة هذه الخطوات المتقدمة حول العديد من الأولويات.

وبالتالي على أوروبا أن تمتلك استراتيجية نمو حقيقية تقوم على: إعادة استعراض سياسة المنافسة ونظام المساعدات الخاصة بالدولة، وإعادة توجيه الادخار الأوروبي نحو الإنتاج، وخطة استثمار من أجل البنى التحتية، وعملية الانتقال في مجال الطاقة، والابتكار، والإقتصاد الرقمي والشركات المتوسطة والصغيرة.

ولمساندة هذه الاستراتيجية، يتعين على الاتحاد تقوية التنظيم: التنظيم المالي، لاسيما مع الاتحاد المصرفي، والتنظيم الاقتصادي والنقدي مع تعزيز حوكمة فضاء التعامل بالأورو؛ والتنظيم البيئي مع وضع سياسة أوروبية حقيقية في مجال الطاقة وتقوية مكافحة التغير المناخي.

ويتعين على أوروبا بشكل متواز توفير الحمايات الملموسة للمواطنين. وهذا يعني التعبئة ضد البطالة ولخلق فرص عمل ـ هذا هو معنى إقتراحنا لخطة أوروبية من أجل خلق فرص عمل للشباب.

ويتعين إعادة إطلاق مشروع الاتحاد الاجتماعي لصالح دفع حوكمة المعايير الاجتماعية إلى أعلى.

ويتعين أيضاً على أوروبا الدفاع عن نفسها في علاقاتها مع الخارج: نعم لأوروبا المنفتحة، ولا لأوروبا المهداة على طبق من فضة.

ولماذا نحن القارة الوحيدة التي لا تشترط على الأقل المعاملة بالمثل؟ وأضيف أن على أوروبا أيضاً التقدم في مجال الدفاع بغية تطوير القدرات المشتركة من خلال التشاركية.

ترسم كل هذه الاقتراحات مشروع "التكامل التضامني" الأوروبي الذي لا يخص كل بلدان الاتحاد. فالبعض يرغب بالبقاء في الوضع الحالي، أو التراجع، كما يطلب رئيس الوزراء البريطاني حالياً.

إذاً نحن نسير على الأرجح باتجاه أوروبا المتباينة حيث تبقى آلياتها قيد التحديد. إنه نقاش كبير قد بدأ ليس إلا.

**

السيدات والسادة،

في مواجهة هذا العالم الجديد، نحن إذاً إرادويون في سياستنا الخارجية. نحن إرادويون في العمل من أجل عالم أكثر تنظيماً، إرادويون من أجل الدفاع عن مصالحنا، إرادويون من أجل إعادة إطلاق وتوجيه أوروبا.

يحوي العالم الجديد الكثير من الأخطار بالفعل. ولكن إذا نظرنا للاتجاهات الرئيسية التي تصوغ شكله، فان فرنسا تمتلك أوراقاً رابحة ينبغي تمكينها من الاستفادة منها منذ لحظة مواجهتنا المباشرة للإصلاحات الضرورية.

يتعين علينا تعديل اتجاه بعض التغيرات الكبرى والتكيف معها،على حد سواء،بغية أن تصبح لصالحنا. تذكروا جملة هيغل:"الحرية هي الذكاء في كنه الضرورة".

ومع انبثاق عالم جديد يتعين وجود سياسة خارجية تكون جديدة في بعض النواحي. ولاستعادة كلمات أحد كباركم القدامى، أوغوست كونت ـ المقصود "المعرفة للتحسب بغية التمكن".

وشكراً

آخر تعديل يوم 17/03/2014

أعلى الصفحة