خطاب رئيس الجمهورية فرانسوا هولاند بمناسبة افتتاح مؤتمر السفراء [fr]

JPEG

نلتقي بمناسبة انعقاد هذا المؤتمر الذي أصبح موعدا لا غنى عنه أو طقسا، ولكنه يحل اليوم في سياق شديد الوطأة بوجه خاص.

فثمة منظمة في قلب الشرق الأوسط تحاول أن تصبح بحجم دولة من أجل فرض نظام خلافة، ليس إلا.
وفي شرق أوروبا، هناك صراع دائر خلّف أكثر من ألفي قتيل وهو يزعزع المبادئ التي ارتكز عليها أمننا الجماعي منذ نهاية الحرب الباردة.

أما في غرب أفريقيا، فبالإضافة إلى طيف الخطر الإرهابي هنالك وباء صحي ينهك بلدانا كانت تُعتبر حتى الآن الأكثر حركية في العالم على الصعيد الاقتصادي.

ولا يجوز النظر بعد اليوم إلى هذه الأزمات التي تبدو غير متجانسة بوصفها أزمات محدّدة أو إقليمية، فهي أزمات عامة ودولية، وهي ليست خارجية علينا بل تعنينا مباشرة. ولا يعني كون هذه الأزمات بعيدة أن ليس لها تفرعات وهنا تحديدا، لذا فهي تعنينا جميعا وأكاد أقول على نحو شخصي.

عندما تُسقط طائرة في سماء أوكرانيا، وعندما يُدرّب مقاتلو الضغينة من أجل تنفيذ جرائمهم حتى هنا في بلداننا، وعندما يختطف صحفيون ويقتلون في ظروف رهيبة، فهذا يعني أن كلنا معنيون بالأمر.

إن فرنسا مدركة لمدى خطورة هذه التهديدات، التي لا يمكنها البقاء غير مكترثة إزائها أو في موقع المتفرج. فهذا يتنافى مع تاريخنا ومكانتنا بصفتنا عضوا دائما في مجلس الأمن، ومع مصالحنا المشروعة، وواجبنا باعتبارنا بلدا كبيرا يحمل قيما. إن منطق سياستنا الخارجية هو العمل على إحلال السلم والأمن في العالم، وهو ما تقوم به دبلوماسيتنا بلا هوادة، بقيادة لوران فابيوس الذي أشيد بعمله مجددا.

إن فرنسا تتحرك على جميع الجبهات.
فيما يخص الشرق الأوسط أولا.

لقد عبّرت عن اقتناعي بضرورة التدخل الدولي في سورية من هذا المنبر في السنة الماضية، إذ كان لا بد من منع ارتكاب مجازر جديدة بعدما استعمل النظام الأسلحة الكيميائية. وقلت لكم أن التقاعس عن الفعل يشجع المتطرفين، وللأسف شاهدنا نتيجة ذلك بوضوح، ويؤسفني أن الاستنفار الدولي من أجل حل الوضع في سورية كان ناقصا إلى هذا الحد، لا سيّما في مجلس الأمن. ونحن ندرك اليوم النتائج الوخيمة لذلك فنظام بشّار الأسد يواصل سياسته القمعية بدون رادع، واللاجئون يتزايدون يوما بعد يوم في البلدان المجاورة، والمجموعات الإرهابية تحتل مواقع جديدة، هذه هي النتيجة.

بيد أن التهديد لم يكبر فحسب، وهذا خطر بحد ذاته، بل أصبح مهولاً. فقد اتسع نطاق النزاع منتقلا إلى العراق،وهو بلد يواجه أصلا الانقسامات والصراعات الطائفية وعدم الاستقرار لأسباب لن أتطرق إليها الآن. وهو مما أتاح الفرصة لتنظيم الدولة الإسلامية، الذي يدّعي أنه كذلك، لإرساء قواعده في العراق،لأن الإرهاب يتغذى من الفوضى دائما.

واستولت هذه المجموعة على أجزاء كبيرة من العراق بالإضافة إلى الأجزاء التي تملكتها تقريبا في سورية، وهي تهدد أيضا بغداد وكردستان العراق، وتهاجم الأقليات ومنها مسيحيو العراق واليزيديون وغيرهم. ومن ثم قرّرت فرنسا أن تتحمل مسؤولياتها، فهي تقدّم المساعدة لدعم اللاجئين لا سيّما في كردستان العراق، كما قدّمت السلاح للقوات التي تقاتل تنظيم الدولة الإسلامية في الصفوف الأمامية. وانضمّت إلينا بلدان أوروبية أخرى منذ ذلك الحين، وهذا أمر جيد، ولكن لا يمكننا التوقف عند هذا الحد، بل يجب علينا زيادة دعمنا من أجل صون وحدة العراق وتمكين كل الطوائف من العيش في سلام.

ولهذا دشنتُ مبادرة ترمي إلى تحسين (وعندما أقول "تحسين" فأنا أعني "تنظيم") تنسيق المكافحة الدولية لتنظيم الدولة الإسلامية، على الصعيد الإنساني والأمني والعسكري أيضا. وهذا هو الهدف من المؤتمر الدولي الذي تقترح فرنسا عقده هنا في باريس مباشرة بعد تأليف الحكومة العراقية، لأن الشرط الأول للانتصار على تنظيم الدولة الإسلامية والإرهاب هو اتحاد العراقيين أنفسهم.

إن الانتصار على تنظيم الدولة الإسلامية والإرهاب يحتّم أيضا على المجتمع الدولي أن يدرك مدى الخطر المحدّق به وينظم عملية استنفار ترقى إلى مستوى الخطر، ضمن احترام القانون الدولي.
وإن الانتصار على تنظيم الدولة الإسلامية يحتّم أيضا على كل بلد التعبئة لمحاربة الفصائل الجهادية، وفصائل الإرهاب الدولي، والحؤول دون سفر الشباب المتطرف إلى مناطق القتال. وسيُرفع هذا الشأن إلى مجلس الأمن بتاريخ 25 أيلول/سبتمبر المقبل، لكن فرنسا لم تبق مكتوفة الأيدي في انتظار هذا الموعد، فقد وضعنا فعلا خطة لمكافحة الجهاديين اعتمدها مجلس الوزراء في شهر أيّار/مايو.

ومن الضروري إقامة تحالف واسع، ولكنني أود أن تكون الأمور واضحة، فلا يمكن لبشاّر الأسد أن يكون شريكا في الحرب ضد الإرهاب، فهو حليف الجهاديين الموضوعي، ولا يُحتمل الاختيار بين وحشيتين فهما تغذيان الواحدة الأخرى.
كما تدعم فرنسا بلدان المنطقة التي تستقبل اللاجئين، وأقصد الأردن وتركيا ولبنان حتما. فقد أصبح ثلث السكان في لبنان من أصول سورية في الوقت الراهن بفعل الواقع. ويربطنا بلبنان ميثاق صداقة ونحن نحرص على صون وحدة هذا البلد الصديق قدر الإمكان. وفي هذا الصدد أيضا قرّرنا إمداد جيشه، بالارتباط مع المملكة العربية السعودية، بالوسائل العملياتية الضرورية له لتحقيق أمنه في منطقة تعصف بها النزاعات، ليس بسبب ما يحدث في سورية والعراق فحسب وإنما بالأخذ في الاعتبار تجدد مظاهر الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الذي سجّل مرحلة مأساوية في خلال الأسابيع الماضية.

اندلعت الأزمة الثالثة التي وقعت في غزة في غضون ست سنوات - بعد أزمة عام 2008 وأزمة عام 2012- والتي تعتبر الأكثر دموية (إذ سقط أكثر من ألفين ومائتي قتيل).

تم اليوم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التفاوض بشأنه في القاهرة، وأود أن أشيد بكل من ساهم في هذا الاتفاق الذي أدّت فرنسا دورا فيه أيضا. وتعهّد كل طرف من الطرفين بالتزامات يجب تطبيقها بحذافيرها وبدقة وإحكام، إذ لا يمكن أن تبقى غزة قاعدة مسلحة لحماس ولا سجنا واسعا لسكانها. ويجب المضي نحو رفع الحصار تدريجيا ونزع السلاح في قطاع غزة.

قدّمت فرنسا مقترحات في هذا الشأن أيضا من أجل الإشراف الدولي على هدم الأنفاق، و تأمين إعادة فتح المعابر بين غزة من جهة وإسرائيل و مصر من الجهة الأخرى، وتزويد السلطة الفلسطينية بالوسائل الكفيلة بحل الأزمة الإنسانية، وإعادة بناء غزة مجدّدا، وأشدّد على كلمة مجدّدا.

يجب الالتحاق بطريق السلام بأسرع ما يمكن، ويعرف الجميع شروط السلام ومقوماته التي أكررها هنا، وهي إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية و قابلة للحياة تعيش إلى جانب دولة إسرائيل في أمان. لكننا نرى جيدا أن الصيغ تنفد، والتفاوض من أجل التفاوض لم يعد كافيا إذ إنه لا يحقّق أية نتيجة. علينا أن نمنح طريق السلام فرصته وهذه مسؤولية تقع على أصحاب الشأن، لكن يتعيّن على المجتمع الدولي أن يتخذ المبادرة.

إن دور الولايات المتحدة حاسم غير أن دور أوروبا ليس أقل شأنا منه إذ يجب على أوروبا العمل واستغلال كل الإمكانيات المتاحة مثل مبادرة السلام العربية. لم تؤخذ أوروبا في الحسبان بالقدر الكافي منذ عام 2002، فأوروبا هي من تقدم الكثير لإعادة بناء فلسطين وتنميتها وهي التي يجب أن تضغط على الأطراف، وألا تكون مجرد مصدر تمويل يجري التوجّه إليه من أجل تضميد الجراح الناجمة عن النزاعات المتجددة.

وبموازاة ذلك، علينا أن نجد مخرجا للمباحثات مع إيران إذ إن جميع الأمور مرتبطة بعضها ببعض. إن هدفنا بسيط للغاية لدرجة يصعب علي إعلانه، وهو حمل إيران على التخلي عن الحصول على الأسلحة النووية.

وقد أبدت فرنسا حزما في هذا الشأن وكان لوران فابيوس شديد الوضوح في المفاوضات في لحظة حاسمة. كما أبدت فرنسا استعدادها للتفاوض، وكنت شخصيا أحد رؤساء الدول الغربيين الأوائل الذين التقوا الرئيس الإيراني حسن روحاني، في العام الماضي، إبّان انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة. لكنني أسجّل أنه تم تأجيل المباحثات بين إيران ومجموعة 5+1 بعدما تم دفنها لست أدري بسبب أية شروط وضعت ولم يكن لها مبرر للوجود. كما ثمة أصوات تعلو دائما لتقول أنه من المفيد ربط المفاوضات مع إيران بشأن الأسلحة النووية بالوضع في العراق، لكنني أرفض إقامة أي رابط بينهما فهذا أمر غير منطقي بتاتا. يتعيّن على إيران بكل بساطة أن تتحلى بالشجاعة لاتخاذ التدابير التي تدل على تخليها عن امتلاك القدرة النووية العسكرية، بصورة قابلة للتحقّق وغير قابلة للطعن.

صحيح أن الأزمة العراقية تدل على أن شواغلنا ليست دائما مختلفة عن شواغل إيران، وأن بإمكان هذا البلد أن يكون محاورا إذا ما قرّر، وهذا شرط أساسي، اعتماد المبادئ التي تتيح إجراء نقاش صريح ومجدٍ. إن فرنسا مستعدة لاعتبار إيران محاورا، ولكن بهذه الشروط وبها فقط.

هذا هو ما يجب أن يستنفرنا من أجل تحقيق السلام والأمن في الشرق الأوسط والشرق الأدنى.
لا يتأثر سلام أوروبا وأمنها بما يجري داخل هذه القارة فحسب، بل أيضا بما يجري بعيدا عنها. تحدثت عن الشرقين الأدنى والأوسط ويجب أن أتحدث عن أفريقيا .

إن أفريقيا قارة صديقة يربطنا بها التاريخ هي أيضا. وقد مثّلت الاحتفالات التذكارية لهذه السنة مجددا مناسبة لاستحضار ما قام به الأفارقة في خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، لتحقيق انتصاراتنا، أي حريتنا. إذا ثمة قرابة الدم هذه التي تبقى وأيضا اليقين أن أفريقيا هي قارة النمو.

والسفراء خير شاهد على ذلك حاليا، إذ تزخر أفريقيا بالمشاريع وتنشئ البنى التحتية وتستغل مواردها المعدنية، وتسخر جهودا جبارة في مجال التكنولوجيات الجديدة، وحتى في عملية الانتقال في مجال الطاقة. وكانت ستة اقتصادات من أصل الاقتصادات العشر الأكثر حركية في العالم في عام 2013 أفريقية. وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على ضرورة تغيير الطريقة التي ينظر بها الكثير إلى أفريقيا.

حاولنا من خلال مؤتمر قمة الإيليزيه الذي انعقد في كانون الأول/ديسمبر الماضي، تحديث تقليد اللقاءات بين فرنسا وأفريقيا، فاتخذنا قرارات مهمة. أولا، ستخصّص فرنسا 20 مليار يورو خلال السنوات العشر المقبلة لتنمية أفريقيا. وستضطلع الوكالة الفرنسية للتنمية بدور رائد في هذه الإستراتيجية. بل ارتأينا – بمعية المنشآت، إذ لا يسع تحقيق أي شيء بدونها - أن من شأن مؤسسة فرنسية-أفريقية من أجل النمو أن تمثّل رافعة لكي يتسنى لنا العودة بالفائدة على أفريقيا وعلى منشآتنا أيضا. وهذه المؤسسة موجودة في طور التأسيس وبصدد الشروع في أولى أنشطتها.

غير أنه في الوقت ذاته الذي أتطرق فيه إلى أفريقيا من خلال الروابط التي تجمعنا عبر التاريخ والاقتصاد والأواصر الإنسانية، ينبغي أيضا أن أتحدث عن أفريقيا بوصفها قارة معرّضة للخطر. ولعل وباء الإيبولا دليل مأساوي آخر على ذلك، وليت رد الفعل عليه كان أسرع، فقد خلف هذا الوباء فعلا ألفي قتيل – ولم ننته من إحصاء جميع الضحايا بعد...
لم تدّخر فرنسا جهدا منذ تفشي هذا الوباء – سواء من خلال وزارة الشؤون الخارجية أو وزارة الشؤون الاجتماعية والصحة. وقد حدّد خبراء المعهد الوطني للصحة والأبحاث الطبية ومعهد باستور وجود الفيروس منذ البداية. ويساهم هؤلاء الخبراء ذاتهم في تشخيص المرض ورصده بفاعلية في الوقت الراهن، وهم حاضرون بشجاعة في عين المكان.
أود أيضا أن أشيد بالمنظمات غير الحكومية الحاضرة لتقديم التدريبات ومرافقة المرضى والعناية بهم والوقوف للأسف على الخراب الذي يحدثه الفيروس. يجب على فرنسا إبداء تضامنها الذي لا يقتصر على التضامن المالي، بل يجب أيضا أن يكون علميا وإنسانيا.

واتخذت جميع الإجراءات لحماية رعايانا، فسخّرت الإمكانيات العسكرية، وأتقدم بالشكر لوزير الدفاع على ذلك، لضمان القدرة على الإجلاء الطبي، وهي رهن إشارة منظمة الصحة العالمية.

إن الفقر أرض خصبة لنمو الأوبئة التي تنتج عن هشاشة الأنظمة الصحية. لذلك أبقت فرنسا، وفق القرار الذي اتخذتُه، على مساهمتها في الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا.

وعموما، حتى في هذه الفترات التي نمر فيها بما يصطلح على تسميته "الصعوبات المالية" (إننا نسجّل أوجه عجز في الواقع منذ أزيد من عشر سنوات، لكننا قرّرنا بكل بساطة تقليصها)، وحتى في ظل هذه الظروف التي لا تخفى عن أحد، لا تزال فرنسا تحتل مكانا في قائمة الصدارة لأكبر المانحين الدوليين في ميدان التنمية. بل رفعت من تركيز وسائلها المالية، إذ ارتفعت مساعدة فرنسا المقدمة لأقل البلدان نموا بمعدل الثلث في عام 2013 مقارنة بعام 2012. ونحن لا نقوم بذلك مجرد من باب السخاء بل لإدراكنا أن هذا البؤس والفقر من شأنهما توفير أرض خصبة للإرهاب.

إن أفريقيا، على الرغم من ميزاتها، قارة يهدّدها انعدام الأمن. وكلما يكون بلد صديق ضحية للإرهاب فإننا نقف بجانبه. وكلما يقع بلد صديق ضحية لخطر اندلاع صراع قد يفضي إلى مجازر أو ربما إبادة جماعية، نقف كذلك بجانبه دون أن نطلب شيئا بالمقابل ودون التفكير في تعويض أو مصلحة تجارية.

تدخلنا في جمهورية أفريقيا الوسطى في كانون الأول/ديسمبر الماضي، وأفلحنا في تجنب الأسوأ، وأعني جيدا الأسوأ. كنا سبّاقين، وسأتناول هذا الموضوع لاحقا. لكن الاتحاد الأوروبي يقوم اليوم بعمل ممتاز عبر قوة الاتحاد الأوروبي في جمهورية أفريقيا الوسطى - يوفور. وستتولى قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام، وكانت هذه رغبتنا بالمناسبة، زمام العمليات في غضون بضعة أشهر. ونحن حريصون أيضا على إعادة بناء دولة أفريقيا الوسطى وتحقيق عملية الانتقال الديمقراطي في نفس الوقت، مما يعني إجراء انتخابات.

وفي مالي، اتخذ القرار في مطلع عام 2013. وقال بعض نذراء الشؤم أننا سنبقى في البلد إلى الأبد... لقد أدينا مهمتنا. وأشيد بالعمل الذي قام به وزير الدفاع جان إيف لودريان والقوات المسلحة. والنتيجة واضحة للعيان، فقد أعيدت الديمقراطية وأستُهلت المشاريع الإنمائية من جديد، وعملية المصالحة جارية مع أنها تأخّرت حقا. كما تدعم فرنسا، بدون أي تحفظ، الجهود التي تبذلها الجزائر في صالح هذه العملية.

أما قواتنا المسلحة، فستساهم بأوجه أخرى في حضورنا العسكري الذي كيّفناه والذي سيتخذ صيغا أخرى تجنبا لانبعاث الإرهاب. إن عملية برخان هي التي مكّنتنا من خفض حضورنا في مالي وتعزيز وجودنا في المناطق التي اتخذنا مواقع فيها. وسنعمل بحيث نضمن أمن غرب أفريقيا بواسطة ثلاثة آلاف عنصر هناك.

غير أنه ما أن نتخلص من خطر، ونزيل تهديدا، حتى يظهر خطر آخر. هذا ما شاهدناه في نيجيريا حيث يوجد تنظيم بوكو حرام الذي يعتزم بناء نظام خلافة. كيف تصرفنا؟ حشدنا استجابة دولية، وجمعنا هنا بلدان المنطقة (التي يصطلح على تسميتها بلدان حوض بحيرة تشاد) وأتحنا تحقيق تنسيق الاستخبارات وتبادل المعلومات والإجراءات المزمع اتخاذها. وتعيش نيجيريا – التي تحتل المرتبة العشرين على قائمة أقوى الاقتصادات في العالم، وتمثل الاقتصاد الأفريقي الأكثر حركية، وبلا شك أولى اقتصادات القارة - تحت تهديد تنظيم بوكو حرام. إن نيجيريا تثق بفرنسا ولن تذخر فرنسا جهدا في سبيل الحفاظ على قدرة نيجيريا على أن تبقى اقتصادا كبير وبلدا ديمقراطيا كبيرا.

بيد أني سأوافيكم بالشاغل الأكبر الذي يؤرقني في هذه الآونة بالذات، على الرغم من كثرة المواضيع التي تدعو إلى القلق وإلى توخي الحذر، وهو ليبيا.

ففي ليبيا تعم الفوضى، إذ سيطرت مجموعات جهادية على عدة مواقع هامة، وليس على مواقع النفط فقط. وهناك برلمانان وحكومتان، حتى لو أننا نعتبر أن هناك حكومة واحدة شرعية فقط. وتوجد عدة ميليشيات في الوقت الراهن، كما يتمركز تجمع لجماعات إرهابية في جنوب ليبيا بانتظار التدخل.

إذا لم نقم بأي شيء –وأعني أي شيء جدي أو سياسي أو دولي- فسينتشر الإرهاب في كامل المنطقة. لذا، تطلب فرنسا إلى الأمم المتحدة، لأن عليها هي أن تتحمل المسؤوليات المنوطة بها، أن تنظم دعما استثنائيا للسلطات الليبية حتى تتمكن من إصلاح الدولة. كما ينبغي علينا أن ننتبه بشدة إلى الدول المجاورة لليبيا، أي مصر، وأيضا تونس، فبإمكان تونس أن تصبح نموذجا لنجاح ثورات الربيع العربي على سبيل المثال. كانت هذه نقطة انطلاقهم، ويخشى أن تكون هذه هي النتيجة الوحيدة، إذا ما حافظوا عليها.

وتملك فرنسا أداة عسكرية فعّالة للاستجابة إلى جميع هذه الطلبات الملحة، وتلبية جميع واجباتنا، ومواجهة جميع المخاطر. ولهذا قرّرتُ الإبقاء على جميع اعتمادات قانون البرمجة العسكرية وهو خيار نعتبر جميعا أنه لا بد منه. ففي حين علينا أن نسعى إلى تقليص أوجه العجز ونسجّل ضعفا في النمو، كان لا بد، ليس فقط من إلحاح وزير الدفاع، بل أن تكون لدينا كل القناعة التي يجب أن تكون قناعتنا وقناعتكم، حتى نقرّر أن امتلاك أداة للدفاع هو ليس عنصرا من عناصر القوة فحسب، بل هو شرط لا محيد عنه لأمننا الخاص.

لكنه ليس كافيا أن نُبقي على الاعتمادات التي أرى المختصّين يتناولونها بأدق القيم، فالمهم هو كيفية استعمال هذه الاعتمادات: هل تستعمل بطريقة هي الأنسب لمواجهة المخاطر؟ ومن هنا ينبع رهان دفاع الفضاء الإلكتروني مثلا، بل والاستخبارات أيضا. لهذا السبب، حرصت أيضا على تعزيز الإمكانيات المتاحة للإدارة العامة للأمن الخارجي.
قلت أننا نجازف أحيانا – وهي ليست مؤاخذة تؤخذ علينا في الخارج إلا بصورة استثنائية، بل تؤخذ علينا في فرنسا - بالتحرك بصورة انفرادية. وأجيب أننا لا نتحرك منفردين، بل نكون أول المتحركين، وهنالك فرق كبير بين الأمرين. بل نكون روادا أحيانا عندما يتعلق الأمر بالتضامن الدولي. مع أن هدفي دائما هو التحرك بمعية شركائنا الأوروبيين، إذ إنني مقتنع أكثر من أي وقت مضى أن أوروبا يجب أن تكون حاضرة بحد ذاتها في عالم لم يعد الحياد مسموح فيه.

يجب أن يصبح الطموح الذي طالما كرّر - لا سيما من أولئك الذين لا يفعلون شيئا - والمتمثل في انتهاج السياسة الدفاعية الأوروبية، حقيقة فعلية اليوم. ولا يمكن أن ينتظر الاتحاد الأوروبي من دولة عضو واحدة أو دولتين عضوين – ولعلها أساسا دولة واحدة، هي فرنسا – تقديم القسط الأكبر من الالتزام المالي والبشري لفائدة تأمين السلامة للجميع. ويعتبر هذا الوعي ومشاطرة المجهود هذه شرطي تعزيز دور أوروبا في الساحة الدولية.

سأشارك في مؤتمر القمة لمنظمة حلف شمال الأطلسي بعد بضعة أيام، الذي يتعيّن عليه أن يحدّد مهمة الحلف وما هي الفائدة منه. وسنروج فكرة مفادها إعطاء الحلف قدرة الرد السريع لمواجهة الأزمات، بمشاركة كل الدول الأعضاء.
يجب أن نعتبر الصناعات الثقافية رهانا بالغ الأهمية لنا، كما هو الحال فيما يخص التطور الدولي لجامعاتنا ومعاهدنا العليا. إذ علينا أن نتيح الفرصة للمزيد من الشباب الفرنسي لاكتشاف العالم. وليس هناك ما نخشاه من توجّه عدد من الشباب وحاملي الشهادات إلى الخارج – بل العكس هو السلبي - شريطة أن يعودوا إلى وطنهم ليساهموا بمواهبهم في البلد الذي كوّنهم. علينا أن لا ننسى أبدا من أشرف على التكوين، فلا قيمة لنا بدون الجمهورية!
وهناك موضوع استقبال الطلبة الأجانب في فرنسا. وفي هذا المجال أيضا، علينا أن نعمل بحيث نتمكن من استقبال المزيد من هؤلاء الطلاب، لأنه شرط ضروري لتأكيد تأثيرنا.

أما الإشعاع فهو الفرنكفونية. وقد سلمني جاك أتالي تقريرا للتو، يشدّد على الامتيازات الاقتصادية الهائلة الكامنة في الفرنكفونية. وأريد أن يكون الجانب الاقتصادي للفرنكوفونية حاضرا في خلال مؤتمر القمة القادم للمنظمة الدولية للفرنكفونية، الذي سيعقد في داكار في شهر تشرين الثاني/نوفمبر.

وأخيرا، يتمثل الدفاع عن مكانة فرنسا في العالم في الدفاع أيضا عن فكرة تحقيق نمو أقوى وأكثر توازنا في المواقع الرئيسة لاتخاذ القرارات، لا سيّما في إطار مجموعة العشرين، وهذا ما سنقوم به في مدينة بريسبان في أستراليا. وسنواصل وضع موضوعي التنظيم المالي والتعاون الضريبي على المستوى الدولي على جدول الأعمال، إذ إن الأمور تطورت.

علينا ألا نعتقد أننا وحدنا في هذه المعركة أيضا، فالولايات المتحدة وحتى بلد مثل المملكة المتحدة، ساندتنا، لأن القضاء على المالية السوداء أو الرمادية وتحديد الشروط الضريبية للمنافسة هو من مصلحة الجميع.

إذا، علينا جميعا، أن نتحلى بالشجاعة لخوض كل المعارك الضرورية. معركة الأمن والتنمية والبيئة والنمو، ولكن علينا أن نخوض معركة السلام في المقام الأول، وهي المعركة التي دأبت فرنسا في خوضها، وهذا هو مصدر شرفنا وفخرنا جميعا.

عاشت الجمهورية، عاشت فرنسا !

آخر تعديل يوم 16/09/2014

أعلى الصفحة