خطاب رئيس الجمهورية بمناسبة الاحتفال بتدشين النصب التذكاري للجندي المسلم [fr]

سيدي رئيس الجمعية الوطنية،
سيداتي وسادتي الوزراء،
سيداتي وسادتي النوّاب،
سيداتي وسادتي ممثلو اﻷديان،
سيداتي وسادتي السفراء،
سيدي مدير المسجد،

ٳنني أدرك تماما أن هذه اللحظات مؤثرة على نحو خاص لكم، ليس لمجرد استقبالنا هنا في هذا المكان، ٳنما بسبب تكريم ذكرى المسلمين الذين قدموا للقتال معنا في الحرب العالمية اﻷولى، ثم في الحرب العالمية الثانية من أجل تحرير بلدنا.
تحتفي فرنسا هذا العام بحدثيْن بالغَي الأهمية هما: بداية الحرب العالمية الأولى وبداية تحرير بلدنا مع الذكرى السنوية الـسبعين لمعارك التحرير. وفي هذه اللحظات الهامة، في هذين الحدثين التاريخيين، قدم رجال من جميع أنحاء العالم لنجدتنا، وكان قسط كبير من بين المقاتلين القادمين من أفريقيا من المسلمين.

أتيت اليوم للتذكير بهذه الحقيقة البسيطة كي ﻻ ينساها أحد، أو الأسوأ من ذلك، أن يخفيها أحد. ٳنني أود التوجه اليوم ٳلى أبناء الذين قدموا للقتال على أرضنا، هذه الأرض التي لم يولدوا عليها، كي يفخروا بما أدّاه آباؤهم وأجدادهم من أجل بلدنا، من أجل الجمهورية.

أقوم بهذا التكريم هنا، في هذا المكان المفعم بالرموز، في مسجد باريس الكبير.
فهذا المسجد الكبير شُيّد في الواقع غداة الحرب العالمية اﻷولى، بقصد محدّد جدا وهو اعتراف اﻷمة الفرنسية للجنود المسلمين.

تفضلتم سيدي مدير المسجد بالتذكير بأن هذا المسجد أقيم تلبية لٳرادة ماريشالات فرنسا – هؤلاء نفسهم الذين قادوا هؤلاء الجنود القادمين من جميع أنحاء العالم وبينهم الكثير من المسلمين. فقد أراد ماريشالات فرنسا أن يكون ثمة مكان للاحتفاء والتذكير والٳعلام.

وحظيت ٳرادة الماريشالات بالقبول، إذ أتاح تصويت البرلمان في 29 حزيران/يونيو 1920 – وكان المقرّر آنذاك إدوار هيريو- تخصيص موازنة لبناء هذا المسجد الذي دشّنه الرئيس غاستون دوميرغ في 15 تموز/يوليو 1926 في هذا الموقع.

وأصبح المسجد الكبير يندرج في ٳطار المشهد الباريسي، ففضلا عن كونه مقرا للعبادة، هو مركز للثقافة والتبادل، تلتقي فيه جميع اﻷديان، حيث تتشارك جميع اﻷجيال أوقات التعبد والوفاء دائما للأمة والجمهورية.
كان هذا المسجد الكبير معدا للإشادة بتضحية المسلمين الذين قاتلوا، ولقي الكثير منهم حتفه في خلال الحرب العالمية الأولى، وأيضا المسلمين الذين قاتلوا في الزي العسكري الفرنسي في حرب القرم في عام 1853 وفي المكسيك ثم في سيدان وغيرها.

لم تتكلّل كل هذه اﻷحداث بالضرورة بالانتصارات وهي لا تتوافق دائما مع ما ننتظره من فرنسا، لكن هؤلاء الجنود قدموا تعبيرا عن أمانتهم ووفائهم ليس للجمهورية حينذاك – إذ استحضرت القرم والمكسيك وسيدان، وكان هذا عهد الإمبراطورية – ٳنما للأمة الفرنسية.
غير أن هذا المسجد، المسجد الكبير، شُيد بوجه خاص، هنا في باريس، ارتباطا بالحرب العالمية الأولى.

سيدي مدير المسجد، ٳنني أدرك تماما مدى تمسككم بهذه الذكرى، فقد وضعت اللوحة في فردان عام 1992 بمبادرة منكم. وبعد مرور سنوات عشر، دافعتم عن فكرة ٳقامة نصب تذكاري في نفس ساحة المعركة - فردان - لأن العديد من الجنود المسلمين برهنوا هناك أيضا استبسالهم وأدّوا ضريبة الدم. ودشّن هذا النصب التذكاري هناك في عام 2006. واليوم يتحقّق مشروع تحملونه منذ عشرين عاما ويصبح واقعا.

من كان هؤلاء الجنود الذين نستحضرهم اليوم؟ ٳنهم القنّاصة والخيّالة والفرسان وحتى الزواوي أحيانا، وفقا لأسماء اﻷفواج التي انتموا ٳليها. فمن كان هؤلاء؟ كانوا أحيانا من المجندين، وأحيانا من المنخرطين بملء ٳرادتهم، وأحيانا من المتطوعين. وقدم العديد منهم من الجزائر ٳذ بلغ عدد المستدعين 175 ألفا في الحرب العالمية اﻷولى وقضى منهم قرابة 25 ألف مقاتل.

وجُند جنود آخرون من أفريقيا السوداء بلغ عددهم 180 ألف قنّاص في الحرب العالمية الأولى من السنغال بالأساس؛ كما شارك تونسيون ومغربيون في المعارك في فرنسا. وقدم أيضا مقاتلون من مناطق أبعد، من جزر القُمر ودجيبوتي ومن مقاطعات ما وراء البحار الحالية.

أينما حلّ هؤلاء الرجال برزوا بشجاعتهم التي كانت محط ٳعجاب قادتهم – وقد ذكرت ماريشالات فرنسا. وكانت الوحدات المغاربية من أكثر وحدات الجيش الفرنسي حصادا للميداليات في نهاية الحرب العالمية الأولى، كما نال القنّاصة السنغاليون في 28 نيسان/أبريل 1919 التكريم من جورج كليمنصو، الذي كان رئيس المجلس آنذاك وقدّم لهم ميدالية صليب الحرب.

وبعد مضي ثلاثين عاما، لبّى رجال آخرون قدموا من نفس الأقاليم وكانوا أحيانا أبناء المقاتلين الأوائل، نداء الجنرال ديغول وبعده نداء فرنسا للقتال من أجل تحريرها. وقد تسنى لي أن أكرّم في باستيا الخيّالة المغربيين الذين أدّوا دورا أساسيا في تحرير قرشقة في عام 1943، التي كانت أولى أقاليم فرنسا اﻷوروبية المحرّرة، وفاتحة تحرير بلدنا بعد مضي عام.
مثّل الجنود المسلمون 40 في المائة من جيش البروفانس من أجل تحرير بلدنا، وأذكّر بأن جيش الجنرال لاتر دو تاسّينييه كان مؤلفا في آب/أغسطس 1944 من العديد من الفرنسيين من شمال أفريقيا من مختلف الأديان، ٳذ كان بينهم اليهودي والكاثوليكي والمسلم... وشارك أكثر من 70 ألف مسلم، بل حتما أكثر، في تحرير فرنسا.

اعتمد الجنرال ديغول عشرة من الضباط والقناصة رفاقا للتحرير؛ وبرز واحد منهم، كان هو الملك محمد الخامس. فقد أراد الجنرال ديغول بهذا اﻻختيار أن يشير إلى أن رجالا قدموا من مختلف أنحاء العالم هم من ساهم في تحرير بلدنا، وأنهم سيبقون رفاقا إلى الأبد.

أزحنا الستار ٳذن عن لوحتين تذكّران بهذه اﻷفواج، منن الحرب العالمية الأولى كما الثانية. ولكننا أردنا أيضا فضلا عن هذا النصب التذكاري، تحديد هوية الجنود الذين ضحوا بحياتهم على أراضينا. فيمكن لأي كان أن يعثر على هوية هؤلاء الرجال ومسيرتهم عبر هذه الأجهزة التفاعلية، وهذا إنجاز للتعويض عما مضى.

لم يكن هؤلاء الرجال مجهولي الهوية ٳنما غير معروفين، ليس لأننا كنا نريد نسيانهم، بل لأنهم لم يولدوا في فرنسا، على أرضنا، لم يكن يجوز وضع أسمائهم على النصب التذكارية للموتى. وقد آن أوان إنصافهم. فأصبح بوسع الجميع الآن أن يعرف الجنود المسلمين الذين قضوا من أجل بلدنا، وﻻ سيّما أبنائهم أو أحفادهم الذين سيتعرفون على مسيرتهم وعلى معاركهم وأمجادهم.

صحيح أن هذه النزاعات ولّدت أخوّة السلاح، ويذكّرنا هذا المسجد الكبير بذلك. فقد نمت صلة وثيقة جدا بعد الحرب العالمية الأولى بين الٳسلام والجمهورية، من أجل الدفاع عن سيادة بلدنا وحريته.

لذلك فٳن تكريم الموتى اليوم يتوجه ٳلى الأحياء أيضا. ٳنه دعوة إلى الاحترام، احترام موتى الأمس الذين قاتلوا من أجلنا، واحترام موتى اليوم من خلال واجبنا بتخصيص مساحات في مقابرنا لأتباع ديانات معيّنة.

لكنه أيضا دعوة إلى احترام الأحياء الذي يلزمنا بمحاربة التمييز واللا مساواة بشدة، وأكثر من ذلك، محاربة العنصرية وعدم التساهل أبدا مع العبارات والأعمال المعادية للمسلمين، وتدنيس أماكن العبادة. فالتعرض لمسجد كما حصل الأسبوع الماضي في مدينة بلوا، أو التعرض لكنيسة أو لكنيس أو معبد، هو التعرض للأمة بأسرها.

يجب أن ﻻ يكون أحد في بلدنا مهددا ولا حتى معتدى عليه بسبب معتقداته – طالما أن التعبير عن هذه المعتقدات لا تشوّش النظام العام. ويندرج هذا المبدأ في ٳعلاننا لحقوق الٳنسان منذ قرنين من الزمن، وإننا حريصون عليه بوجه خاص.
يكمن ثراء فرنسا في تنوعها، كما تكمن قوتها في وحدتها. وتتيح لنا قيمة أساسية تلبية هذين المتطلبين: ٳنها العلمانية. فلكي يتمكن جميع المواطنين من العيش معا، بدون أن يضطر أحد للتخلي عن معتقداته، وبدون أن يتسنى لأحد فرض ديانته على الآخر، يجب أن يحدّد قانون واحد قواعدنا المشتركة، ٳنّه قانون الجمهورية.

إن الٳسلام في فرنسا معترف به باسم العلمانية، ٳسلام يحمل رسالة الانفتاح والتسامح والتضامن، ٳسلام تتناغم أماكن العبادة فيه كما أئمته مع القيم التي نتقاسمها جميعنا، الأئمة الذين يجب ٳعدادهم على هذا الأساس وبالارتباط مع جامعاتنا، ٳسلام يحظى بتمثيل وبحيّز للحوار مع الدولة، ٳسلام يتوافق تماما مع قيم الجمهورية.

سيداتي وسادتي، سبق وأشرت ٳلى أن تكريمنا اليوم للجنود المسلمين الذين قضوا من أجل فرنسا موجّه ٳلى الأمة بكاملها، وٳلى كل من يتساءل من نساء ورجال، في مرحلة ما، بشأن مصيره، ومكانه، وأحيانا حتى بشأن هويته.

أعبّر هنا عن امتناني لخلف هؤلاء الجنود أينما كانوا، وأقول لمن منهم في فرنسا وأصبحوا فرنسيين، فرنسيين بالكامل، كم بوسعهم الافتخار ببلدهم وبآبائهم، وأن يدركوا أن الجمهورية مدينة لهم. لن تنسى فرنسا أبدا ثمن الدم المراق وتحتفظ في ذاكرتها بأسماء الذين قاتلوا من أجل حريتنا، بدون تمييز في الأصل والدين.

يشرّف واجب الذكرى الأمة، ويتيح تجمع الجميع، كما يصالح التواريخ الشخصية العائلية المضطربة أحيانا، ويساهم في الاعتراف بمسيرة كل واحد من الأفراد. واجب الذكرى هو أيضا مساهمة، ليس فقط فيما كان عليه بلدنا، بل في ما يمكن أن يكون عليه ٳذا أضفنا ٳلى واجب الذكرى واجب النجاح.

لأن مصيرنا مشترك - وقد برهنا ذلك اليوم - ، ونمثل جميعنا مجموعة هي الأمة. ويجب على الأمة أن تنظر دائما ٳلى التاريخ لتعرف كيف تهيئ مستقبلها، وهذا ما فعلناه اليوم هنا في هذا المكان، في مسجد باريس الكبير، اعترافا لكل هؤلاء الجنود الذين قدموا من جميع أنحاء العالم ليمنحوننا حريتنا، لهؤلاء المسلمين الذين بقوا مسلمين حتى النهاية، ولكنهم في المقام الأول ضحوا بدمائهم من أجل فرنسا.
وشكرا لكم.

JPEG

آخر تعديل يوم 17/03/2014

أعلى الصفحة