حوار قادر عريف مع جريدتي الوطن والخبر [fr]

بداية، هل لك أن تخبرنا سيدي الوزير عن موضوع زيارتك إلى الجزائر؟

ستشرع فرنسا، في الأشهر القادمة، في إحياء سلسلة من الذكريات التاريخية المهمة على غرار مئوية اندلاع الحرب العالمية الأولى وذكرى تحريرها السبعين. فرنسا واعية بواجباتها اتجاه كل أولئك الذين حاربوا من أجلها وتعتزم التعبير عن امتنانها لهؤلاء الرجال الذين قدموا من كل أرجاء العالم للدفاع عنها.
وهو بالضبط مقصد تدشين رئيس الجمهورية، يوم الثلاثاء الماضي بمسجد باريس، لنصب تذكاري يخلّد ذكرى الجنود المسلمين الذين استشهدوا في سبيل فرنسا. قاتل الجزائريون بكثرة في هذه المعارك : 000 175 جندي خلال الحرب العالمية الأولى و 000 150 خلال الحرب العالمية الثانية. يجب علينا تكريم ذكراهم وقد جئت لأتحدّث عن الموضوع مع السلطات الجزائرية، لاسيما بحلول هذه المناسبات بباريس خلال الصيف المقبل.

JPEG

يواجه محور الجزائر باريس بعض الصعوبات لتخطي العلاقات العاطفية، لا سيما فيما يتعلق بمسائل الذاكرة والاستعمار. هل فرنسا مستعدة لفتح صفحة جديدة مع الأخذ بعين الاعتبار متطللبات الطرف الجزائري؟ إنّ العلاقات بين فرنسا والجزائر، البلد الذي ولدتَ فيه، لاتزال خاصة : هل تعتقد أنّه من الممكن الانتقال إلى مرحلة جديدة رغم الاختلافات المتكررة بين الذين عايشوا الحقبة الاستعمارية ؟

أثبتت زيارة الدولة التي قام بها رئيس الجمهورية يوم 20 ديسمبر 2012 وزيارة رئيس الوزراء في العام الموالي، رغبة فرنسا في تطوير شراكة حقيقية مع الجزائر لاسيما من خلال اللجنة الحكومية العالية المستوى. لقد حضرتُ الدورة الأولى لهذه اللجنة يوم 16 ديسمبر الماضي التي كانت مناسبة لتقييم العلاقات الثنائية بين بلدينا. كما تمّ تحديد خارطة طريق طموحة تتوافق وإرادتنا المشتركة في ترقية العلاقات الجزائرية الفرنسية إلى مستوى إمكانيات البلدين وطموح الشعبين الجزائري والفرنسي. كانت هناك التزامات من البلدين على الصعيد الاقتصادي، الثقافي، الديبلوماسي والسياسي. وأذكر هنا مثلا اتفاقية الشراكة حول المساعدة التقنية في مجالات النقل واتفاق التعاون في مجال الاتصال وتسهيل تنقل الجزائريين بفرنسا والفرنسيين بالجزائر وكذا الافتتاح المقبل لأربع معاهد للتعليم العالي التكنولوجي بالجزائر، بدعم من فرنسا. كل هذا يشهد على إرادتنا المشتركة في أن نكتب معا هذه الصفحة الجديدة.

أنتم ترفضون، في مقاربتكم حول العلاقات الفرنسية الجزائرية، مصطلح "التوبة" وتفضلون مصطلح "الاعتراف" (بجرائم الاستعمار)، داعين إلى "ذاكرة مطمئنة" بين البلدين. ماهي برأيك الشروط اللازمة لسلام الذاكرة ؟

الحقيقة والصدق التزامنا.

لقد أثارت إعادة تقييم منح المحاربين القدامى الجزائريين الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية استياء بعض الجزائريين، نظرا لقيمتها الزهيدة والتي اعتُبرت تمييزية. بالإضافة إلى مسائل أخرى تتعلق بالتكفل الصحي بالمحاربين القدامى، الذين عاشوا في فرنسا، بعد عودتهم إلى الجزائر من طرف صندوق الضمان الاجتماعي الجزائري. ماذا عن التحقيقات التي فتحتها السلطات الفرنسية حول المنح التي تُدفع لمحاربين متوفين ؟

لا يمكن اليوم وصف قيمة المنح العسكرية التي تُدفع لمحاربينا الجزائريين القدامى بالتمييزية. فالمنح "الجزائرية" مساوية تماما لتلك التي تُمنح لإخوانهم في الجيش الفرنسي. بلغت القيمة الإجمالية لهذه المنح، في 2013، أكثر من 10 مليار دينار أي ما يقارب 100 مليون أورو تمّ صبها لفائدة المحاربين القدامى الجزائريين، في حين قبل إعادة التقييم، كانت المنح العسكرية الفرنسية أقل بإثنا عشر مرة.

إنّ التحقيقات التي أشرت إليها والتي تهدف إلى التحقق من هوية المستفيدين يتمّ إجراؤها بانتظام وهي مُبرَّرة نظرا للمبالغ الهائلة التي تُنفق. ولكن التحقيقات التي تُجرى تتعلق أساسا بمنح التقاعد المدنية التي تُدفع عبر حسابات بنكية للعمال الجزائريين الذين يتلقون منحة تقاعد مدنية من النظام الاجتماعي الفرنسي العام. بالموازاة مع إعادة تقييم المنح، تمّت "أقلمة" القواعد السارية في القانون، لاسيما شروط تحويل المنح إلى الأرامل، مع تلك الخاصة بمنح العسكريين الفرنسيين القدامى. أنا على اطلاع ببعض التأخيرات هنا وهناك في تطبيق هذا الإجراء، نظرا لعدد الملفات الكبير، ولهذا أنا أتابع هذا الملف عن كثب.

يتولى فرع الديوان الوطني للمحاربين القدامى، الذي فتح أبوابه بالجزائر العاصمة عام 2008، التكفل بالعلاجات الناجمة عن الجروح أو الأمراض المكتسبة خلال الخدمة. أما عن الأمراض التي ليست لها علاقة بالنشاط العسكري، فيصف الطبيب استشارات طبية مجانية لكل المحاربين القدامى الذين يتقدمون بطلب لهذا الغرض. كما يقوم صندوق تعاون اجتماعي قيمته 20 مليون دينار بالتكفل بثمن الأدوية أو العمليات الجراحية. وأما عن المستفيدين من تغطية الصندوق الوطني العسكري للضمان الاجتماعي، فهي تتكفل بالعلاجات التي تتم في الجزائر وفرنسا على حد سواء. إذا، فيما يتعلق بالعلاج أيضا لا يمكن التحدث عن أيّ تمييز.

JPEG

لماذا تعترض فرنسا أو تتحفظ على إعادة الأرشيف وبعض رموز الدولة الجزائرية كمدفع بابا مرزوق ومفاتيح قصبة الجزائر وحتى بقايا المقاومين الجزائريين؟ ألأنّه لم تتقدّم السلطات الجزائرية بطلب رسمي لهذا الغرض ؟

فيما يتعلق بالأرشيف، أظهرت فرنسا شفافية بالغة كون اطلاع المؤرخين الفرنسيين والجزائريين على الأرشيف الفرنسي والجزائري عنصر مهم لمعرفة أفضل لتاريخنا المشترك. يستند الاطلاع على الأرشيف بفرنسا من طرف الباحثين الجزائريين على نفس القواعد التي يلتزم بها الباحثون الفرنسيون. وعليه، يمكن بفرنسا الاطلاع على مجمل وثائق الأرشيف تقريبا لاسيما الآن وقد انقضى أجل خمسين سنة على سرّيتها. نحن مستعدون، في حال قُدِّم لنا طلب محدّد بهذا الخصوص، لتسهيل وصول الباحثين الجزائريين إلى الأرشيف الذي يودون الاطلاع عليه.

أمّا عن أرشيف الحقبة الاستعمارية، فالوثائق الأساسية للإدارة الفرنسية بقيت بالجزائر بعد 1962. لم تأخد فرنسا إلاّ الوثائق المتعلقة بسيادتها. كما أعادت فرنسا سالفا مجمل أرشيف ما قبل الحقبة الاستعمارية الذي كانت تحتفظ به في صناديقها العمومية والتزمت بإعادة كل أرشيف من هذا النوع في المستقبل.

تلتزم السلطات الفرنسية والجزائرية بحوار دائم وعميق حول مسألة الأرشيف كما تدل على ذلك الاجتماعات المنتظمة لمجموعة العمل الثنائية المختصة في هذا الموضوع.

أثارت مؤخرا وثيقة لوزارة الدفاع الفرنسي، نشرتها جريدة لوباريزيان، حول التجارب النووية التي تعود إلى 13 فيفري 1960 بالصحراء الجزائرية الكثير من العواطف والجدل. كيف ترون هذا الملف؟ ماهو رد الحكومة الفرنسية على طلبات تعويض ضحايا عملية اليربوع الأزرق ؟

كما صرح رئيس الجمهورية في ديسمبر 2012، تتحمل الدولة الفرنسية، التي تتعاطى بكلّ شفافية حول المعطيات الصحية والبيئية، مسؤولية كلّ مخلفات التجارب النووية. وهي الإرادة التي دفعت فرنسا إلى الكشف عن بعض الوثائق السرية بعد طلبات الجمعيات. في الصميم، لا توفر الوثائق المكشوف عنها أي معلومات جديدة. فالتقرير الذي عرضه الديوان البرلماني لتقييم الاختيارات العلمية والتكنولوجية عام 2002 أحاط بكل جوانب هذه القضية وخلص إلى أنّ الإشعاعات الجوية في المناطق المعنية ضعيفة. تقوم وزارة الدفاع، بالتنسيق مع وزارة الشؤون الخارجية، بما في وسعها ليتمكن الضحايا أو أطفالهم وزوجاتهم من الحصول على حقوقهم من خلال جهاز الاعتراف والتعويض الذي أنشئ وفقا لقانون 5 جانفي 2010.

يُعنى هذا الجهاز أيضا بدراسة طلبات التعويض التي يقدمها الرعايا الجزائريون. وهو لا يميّز طبعا بين الطالبين الفرنسيين والجزائريين. نحن نتحاور بانتظام مع السلطات الجزائرية حول هذا الموضوع من أجل إعلام أفضل للجمهور الجزائري وتسهيل تقديم طلبات التعويض للضحايا الجزائريين أو أطفالهم وزوجاتهم.

عادت قضية موريس أودان إلى الواجهة بعد الاعترافات التي تورط بول أوساريس والجنرال ماسو في قتله والتي نُشرت في كتاب جون شارل دينيو، الحقيقة حول وفاة موريس أودان. بعد هذه المعلومات الجديدة، هل الدولة الفرنسية مستعدة للقيام بمبادرة رمزية اتجاه ذكرى موريس أودان، على غرار ما قامت به اتجاه ضحايا مجازر 17 أكتوبر 1961 ؟

ترهن قضية أودان ألم عائلة بأكملها. وهي تذكر فرنسا كم أنّ تاريخها بالجزائر كان مؤلما لكلا بلدينا. نحن ملزمون بإجلاء حقيقة هذا التاريخ. تبذل الحكومة جهدها للمساهمة في الكشف عن الحقيقة.

قام جون إيف لودريان، بطلب من رئيس الجمهورية، بإعطاء تصريح حصري ومطلق للسيدة أودان للاطلاع على كامل أرشيف الدفاع المتعلق بوفاة زوجها. فهي تمتلك كل الوثائق التي بحوزتنا سواء أكدّت أم لا الرواية الرسمية المعروفة آنذاك. العمل مستمر. وسيكون شرفا لهذه الحكومة أن تساهم في كشف الحقيقة، ستون سنة بعد هذه الوقائع.

JPEG

آخر تعديل يوم 10/03/2014

أعلى الصفحة