زيارة السيد جون مارك تودتشيني إلى الجزائر [fr]

حوار السيد جان مارك تودشينيكاتب، الدولة لدى وزارة الدفاع مكلف بالمحاربين القدامى وبالذاكرة، لوكالة الأنباء الجزائرية في تاريخ 18 أفريل 2015

خص كاتب الدولة لدى وزير الدفاع الفرنسي المكلف بقدامى المحاربين و الذاكرة، جان مارك تودشيني، وكالة الأنباء الجزائرية بحديث بمناسبة زيارته للجزائر يوم الأحد.

JPEG - 160.1 كيلوبايت


تصادف "زيارة الذاكرة" للجزائر تاريخان ذو رمزية بالنسبة لماضي البلدين، 19 مارس و8 مايو، وتأتي في خضم تقارب غير مسبوق للعلاقات الثنائية في جميع المجالات. لكن، إلى حد اليوم، يبقى التطرق إلى مسالة الذاكرة حذرا. هل تعتبرون أن قدومكم إلى الجزائر يمثل شهادة قوية قد تسمح بتحقيق خطوة جديدة بشأن ما أسماه الرئيس هولاند "واجب الحقيقة".

للمرة الأولى تتوجه سلطة وزارية فرنسية إلى سطيف لوضع باقة من الزهور على قبر بوزيد سعال أول ضحية جزائرية لمجازر سطيف و قالمة و خراطة. إنها التفاتة قوية و جد ملموسة عشية الذكرى السبعين لأحداث 8 مايو 1945 في سياق زيارة الدولة التي قام بها رئيس الجمهورية في ديسمبر 2012 و التي اعترف خلالها بمعاناة الشعب الجزائري بسبب الاستعمار.

زيارتي إذا تندرج ضمن مسعى الصداقة والاحترام والسهر على مواصلة التطرق إلى ذاكرتنا المشتركة بهدوء ووضوح حتى نتوجه سوية نحو المستقبل.

أود أن أتوجه بهذا الصدد بشكري الحار إلى السلطات الجزائرية لاستقبالها لنا و دعمها لمسعانا الذي لم يكن سهلا بالنسبة حكومتينا معا: فسأكون يوم الأحد مع وزير المجاهدين السيد طيب زيتوني أمام النصب التذكاري لبوزيد سعال، اعتقد أنها أول التفاتة للذاكرة لنا أو لمن سبقنا. وهذا ليس بالأمر الهيّن، فأنا اعتبره كخطوة إضافية في التعاون بين وزارتينا.

تفصلنا أسابيع فقط عن إحياء ذكرى مجازر 8 مايو 1945 التي وصفها سفير فرنسي في المدينة الرمز سطيف بتاريخ 27 فبراير 2005 أنها "مأساة لا تغتفر". هل ستكون "المأساة التي لا تغتفر" و "واجب الحقيقة" متبوعتين باعتراف رسمي بالمجازر التي ارتكبها الاستعمار؟

هذا الاعتراف الرسمي تم بصفة علنية خلال الخطاب الذي ألقاه رئيس الجمهورية فرانسوا هولاند يوم 20 ديسمبر 2012 أمام البرلمان الجزائري حيث أكد خلال ذلك اليوم التاريخي حسب ما جاء في قوله "مجازر سطيف وقالمة وخراطة ستظل راسخة في ذاكرة الجزائريين والفرنسيين أيضا لأن سطيف شهدت في 8 مايو 1945 عدم احترام فرنسا لقيمها العالمية في الوقت الذي انتصر فيه العالم على همجية الحرب". كما أكد الرئيس هولاند على "ضرورة كشف هذه الحقيقة لجميع الذين يتألمون جراء تاريخهم، هذا التاريخ الأليم ويريدون فتح صفحة جديدة ولكل الشباب الذي يؤمن بمستقبله و يحاول معرفة من أين أتى". هذا الأحد ستنضمُّ الكلمة للفعل لأول مرة وهو ما يترجم فعلا ترحم فرنسا على الضحايا و اعترافها بما عانوه من ويلات.

مازالت النقاشات حول المسائل الجزائرية في فرنسا تثير انفعالات كنا نعتقد أنها زالت مع مضي الوقت، وكذلك مواقف شجاعة على غرار مجلس باريس الذي دعا إلى الاعتراف بمجازر 8 ماي 1945، حتى "يتوقف النسيان". في رأيكم ماهي القرارات التي ينبغي اتخاذها لتجاوز قضايا الذاكرة؟

أنا أرى أن الأمر لا يتعلق "بتخطي قضايا الذاكرة" بل يتعلق بالعيش معا بشكل أفضل مع تاريخنا، الذي مهما فعلنا، فنحن نتقاسم الشطر الأكبر منه. لم تتم كتابة التاريخ المشترك بين الجزائر وفرنسا من 1954 إلى 1962 فقط، بل كذلك في ميدان معركة الحرب الكبرى وفي صفوف فرنسا الحرة. كما يتعلق الأمر، وأنا مقتنع بذلك صراحة، دون نسيان ضحايا المآسي التي جعلتنا نتواجه ودون التخلي أبدا عن تخليد ذاكرتهم، أن نلتفت لما يجمعنا وما نتشارك فيه ويساعدنا على المضي قدما.

هكذا افهم تصريحات الرئيس بوتفليقة بتاريخ 8 ماي 2012 بسطيف حين دعا إلى "قراءة موضوعية للتاريخ بعيدا عن حروب الذاكرة والرهانات الظرفية" من أجل "مساعدة الطرفين على تجاوز أثار الماضي الأليم والمضي نحو مستقبل تسوده الثقة والتفاهم والاحترام المتبادل والشراكة النافعة". هذه هي الروح التي تطبع اليوم العلاقات بين فرنسا والجزائر وهذا يمر في رأينا عبر التفاتات قوية وملموسة، على غرار ترحمي على روح سعال بوزيد وكذا على المحاربين الجزائريين الذين شاركوا خلال الحرب العالمية الثانية في الكفاح ضد النازية. تاريخنا متعدد ومعقد فهو لا ينحصر على مواجهاتنا فقط وذلك يجعله صعب الفهم أحيانا ويثريه في الوقت نفسه.

يبقى "قانون مورين" المتعلق بالاعتراف بضحايا التجارب النووية الفرنسية وتعويضهم ذو أثر محدود في مجال تطبيقه ولا يستجيب لحقوق سكان الصحراء ضحايا تلك التجارب. وكان الرئيس هولاند قد صرح أن قانون تعويض ضحايا التجارب النووية التي تمت في الصحراء خصيصا "يجب أن يطبق كاملا"، لكن بعد مضي ثلاث سنوات لم يتغير الوضع. مع تصاعد نشاط جمعيات الضحايا الجزائريين والفرنسيين الذين يطالبون بإعادة دراسة هذا الملف هل يمكن أن نتوقع الجديد في هذه المسألة الشائكة؟

كما قاله رئيس الجمهورية في ديسمبر 2012 فعواقب تلك التجارب النووية اعترفت بها الدولة الفرنسية وأخذتها بعين الاعتبار وهي تعمل بكل شفافية. كما أن وزارة الدفاع تعمل في اتصال مع وزارة الشؤون الخارجية بالقيام بكل ما بوسعها ليحصل جميع الضحايا أو ذوي حقوقهم على كامل الحقوق في هذا الاطار طبقا لأحكام الاعتراف والتعويض التي ينصّ عليها قانون 5 يوليو 2010.

يدرس هذا القانون طلبات التعويض التي يقدمها الرعايا الجزائريين حسب المعايير الثلاثة للمكان و الوقت ووجود احدى الأمراض التي تعتبر ناجمة أساسا عن الإشعاعات النووية و بطبيعة الحال فإنه لا يميّز بين الفرنسيين والجزائريين. توجد حاليا في الجزائر العاصمة هيئة ملحقة بسفارتنا تقوم بإعلام الطالبين ومساعدتهم في تكوين ملفاتهم و يتعلق الأمر بمصلحة المحاربين القدامى الواقعة في حي تليميلي بالجزائر العاصمة.

نحن نتحادث بشكل منتظم مع السلطات الجزائرية حول هذا الموضوع من اجل تقديم أفضل معلومة للجمهور الجزائري و تسهيل تقديم ملفات الضحايا الجزائريين أو ذوي حقوقهم. في هذا الصدد لم يقدم الرعايا الجزائريين سوى بضع ملفات وهناك محادثات بين السلطات الفرنسية والجزائرية حول طريقة تسهيل الإجراءات للطالبين الجزائريين الذين لم يتقدموا بعد، بما أن القانون الفرنسي سينطبق عليهم بطبيعة الأمر بدون أي تمييز.

وأؤكد هنا انه منذ سبتمبر 2014 أصبحت لجنة تعويض ضحايا التجارب النووية المكلفة بالبت في طلبات التعويض سلطة إدارية مستقلة وذلك سيضمن للطالبين الفرنسيين والجزائريين الإنصاف في دراسة ملفاتهم.

و في الأخير، فان حكومتي البلدين اتفقتا منذ ديسمبر 2014 على إنشاء هيئة مختلطة تسمح بالتفكير في طريقة تسهيل إيداع الضحايا الجزائريين للتجارب النووية الفرنسية في الصحراء طلبات التعويض. الاجتماع الأول لهذه الهيئة سيتم قريبا، وبأي حال، قبل نهاية سنة 2015.

آخر تعديل يوم 18/05/2015

أعلى الصفحة