تهاني رئيس الجمهورية إلى الشعب الفرنسي [fr]

قصر الإيليزيه - الأربعاء الموافق 31 ديسمبر 2014

JPEG

أيها المواطنون الأعزاء،

أوجّه لكم رسالة ثقة وعزيمة هذا المساء وأقدم لكم تهانيّ بمناسبة حلول السنة الجديدة. إنني أدرك الصعوبات التي نواجهها، وأقدّرها كل يوم حق تقديرها وأفكر هذا المساء في العائلات التي تشعر بالقلق على مستقبل أبنائها بسبب البطالة والإقصاء أحيانا، وأوّد القضاء على التذمم واليأس.

إن فرنسا بلد عظيم، فهي خامس قوة اقتصادية في العالم. وفرنسا تتحمل مسؤولياتها في كل مرّة يتعرض السلام للخطر بفضل تدخّل جنودنا في أفريقيا والعراق، الذين أوّد أن أحييهم حيثما كانوا، فهم يشرّفون علمهم.

وفرنسا هي أيضا دبلوماسية نشطة تبحث عن حلول للنزاعات بلا هوادة، كما هو الحال في أوكرانيا حيث تدخلتُ شخصيا، أو في الشرق الأوسط. وفرنسا تدفع أوروبا نحو الأمام فهي التي روّجت أولوية النمو الاقتصادي من خلال خطة الاستثمار بقيمة 315 مليار يورو، التي ستستهلها المفوضية الأوربية ابتداء من عام 2015.

وتحظى فرنسا بالاعتراف بسبب ابتكاراتها وثقافتها ومواهب مقاوليها ومبدعيها وباحثيها. وتم تكريمها هذه السنة بجائزتي نوبل.

لدينا إذا كل أسباب الثقة بالنفس، شريطة أن نتقدم وأن نكون جريئين ونرفض القبول بالوضع القائم ونتجنب التقهقر، وقد قرّرت التوجّه نحو المستقبل مع الوفاء لقيم الجمهورية ونموذجنا الاجتماعي.

فرنسا ليست بكاء على الأطلال وإنما هي الأمل، وواجبي مع حكومة مانويل فالس هو القيام بكل شيء وأن نعمل كل ما في وسعنا لتحضير فرنسا للغد، وأن نعطي كل شيء لبلدنا.

إنني أؤمن بالمثابرة وبالثبات والعمل في الأجل الطويل، فقد كانت سنة 2014 سنة صعبة ومليئة بالاختبارات من كل الأصناف، وقد صمدتُ أمامها وواصلتُ بثبات الخطة التي وضعتها.

أعلنت أمامكم في بداية السنة الماضية ميثاق المسئولية الذي سيدخل حيز التنفيذ ابتداء من صباح الغد. وستلاحظ المنشآت والعمال المستقلون انخفاض الأعباء عليهم. فلن يدفع أرباب العمل أية مساهمات عن الأجيرين الذين يتلقون الحد الأدنى للأجور. فعلى المنشآت الآن أن توظّف وأن تستثمر وهذا هو معنى كلمة "مسئولية" لأن واجبنا، وكنت سأقول واجبنا المشترك، هو مكافحة البطالة.

أجرِيت إصلاحات كبيرة طيلة السنة المنقضية، وابتداء من أول كانون الثاني/يناير، أي غدا، سيتم احتساب مشقّة العمل في حقوق التقاعد، وسيصبح النظام أبسط إلى أقصى درجة للمنشآت وسأحرص على ذلك شخصيا بالتشاور مع الشركاء الاجتماعيين الذين شرعوا في مفاوضات أساسية الهدف منها عصرنة الحوار الاجتماعي في بلدنا.

كما اعتُمد الإصلاح الإقليمي، الذي أعلِن عنه آلاف المرات وعزِف عنه آلاف المرات، في أقل من ستة أشهر، وسيُطلب منكم انتخاب ممثلين عن الجماعات المحلية الجديدة في السنة القادمة، وأيا كان خياركم فهذا الإصلاح سيؤدي إلى زيادة الفعالية وتقليص المصاريف.

ففرنسا قادرة إذا على التحول وأعرف أنكم مستعدون لذلك، وهو ما سنقوم به أيضا في خلال سنة 2015. أولا من خلال القانون الذي سيطرحه وزير الاقتصاد إيمانويل ماكرون ابتداء من شهر كانون الثاني/يناير، الذي سيحرّر المبادرات وينهي الامتيازات غير المبرّرة ويحرّر الطاقات والنشاط ويطوّر العمالة ويسهّل حياة المنشآت ويحمي الأجيرين. سيمثل هذا القانون انبعاث روح الشباب في مجتمعنا لأنه موجّه للشباب في المقام الأول.

سيكون الشباب أولويتي الدائمة، من خلال وسائل إضافية لمحاربة عدم التكافؤ المدرسي، وتوظيف مدرسين شباب ذوي تعليم أفضل، واستهلال خطة رقمية كبيرة في المدرسة، لأنني أريد أن تصبح فرنسا البلد الأول في أوروبا من حيث استعمال التكنولوجيات الجديدة. وستكون هذه الخطة وسيلة رائعة لاكتساب المعرفة وتحقيق العدالة الاجتماعية أيضا، ففرنسا لن تكون قوية إلا إذا كانت عادلة.

وسنلغي أيضا الشطر الأول من الضريبة على الدخل في سنة 2015، وقد التزمت بذلك شخصيا، وسيتم من الآن فصاعدا تحديد المخصصات العائلية بحسب الموارد، وسيتم تحسين مرافقة الأشخاص المسنين، وتسهيل الانتفاع بالعلاج بدون المس بحرية العاملين في مجال الصحة.

لكن علينا أيضا أن نكون قادرين على أن نتفق بشأن المواضيع الاجتماعية الأصعب، وكنت سأقول الأكثر خصوصية، وأقصد فترة نهاية العمر والحق في الموت الكريم، وأوّد أن يعتمد البرلمان في سنة 2015 قانونا توافقيا يساهم في تخفيف معاناة المرضى ويحترم إرادتهم.

أيها المواطنون الأعزاء، ستتقدم فرنسا في السنة المقبلة في كل الميادين وتحقّق تقدما للجميع، إنها المعركة التي شرعت في خوضها والتي سأخوضها حتى النهاية رغما عن أنف المحافظين وهم عدّة، ورغما عن أنف الشعبويين، وهم خطيرون. ولا بد من اتخاذ مبادرات من أجل النجاح في التصدي للبطالة وليس البقاء مكتوفي الأيدي والانعزال عن بقية العالم، فيجب أن نرفض الخطابات التي تغالط الشعب وتستغله.

علينا أن نسير مع أوربا، ولن ننجح بالإقناع بموقفنا من خلال إلغاء ما هو موجود أو التفكير في الخروج من منطقة اليورو، بل من خلال النهوض بقدرتنا على التنافس وتعبئة كل الرافعات الاقتصادية لنتجنب الركود في أوروبا وبوضع قاعدة ديمقراطية لمنطقة اليورو.

لن نحمي أنفسنا من الأخطار المتنامية والمقلقة المتمثلة في الإرهاب والطائفية والأصولية من خلال الانقسام والتنديد بدين ما والرضوخ للخوف، بل من خلال الدفاع بقوة عن قواعدنا المشتركة وهي العلمانية والنظام الجمهوري وأمن الأشخاص وكرامة المرأة. إن فرنسا تضيع وتغرق عندما تنسى مبادئها، ذاك هو الانحطاط وهو الخطر الوحيد الذي يهددنا، أن نتنازل عن مبادئنا. وسبق أن حدث هذا عبر التاريخ سواء في فرنسا أو في أوروبا، ولن ننسى ذلك أبدا. لهذا جعلت من مكافحة العنصرية ومعاداة السامية قضية وطنية كبرى.

كذلك علينا أن نسترجع التمسك بمبادئنا من خلال الالتزام، فهو من خصال الأمة وهو ما يجمعنا في وطن واحد، ومن ثم سيجري توسيع نطاق الخدمة المدنية على جميع الشباب بتنوعه، ليشمل كل الشباب الراغبين في ذلك.

ستكون سنة 2015، أيها المواطنون الأعزاء، سنة حاسمة أيضا لاسيما لكوكبنا. ستستضيف فرنسا المؤتمر بشأن المناخ في شهر كانون الأول/ديسمبر المقبل، الذي سيضم كل رؤساء الدول والحكومات من العالم بأسره. إنها فرصة رائعة لنتحد نحن أولا بغض النظر عن الاختلافات بيننا لنشارك في أفضل ما لدينا، ونعيد للتقدم معناه. يجب أن تكون فرنسا قدوة، وهي اليوم قدوة، من خلال القانون بشأن عملية الانتقال في مجال الطاقة الذي تم التصويت عليه في الجمعية الوطنية مع القانون بشأن التنوع البيولوجي.

تمكنت فرنسا، قبل 70 سنة خلت، من تنظيم مؤتمر كبير حول حقوق الإنسان العالمية، وعلينا اليوم أن ندفع العالم إلى اعتماد إعلان لحقوق البشرية في صون كوكب الأرض، وسأقوم بكل ما في وسعي ليحقّق مؤتمر باريس لعام 2015 نجاحا باهرا، لأنني أوّد أن نجيب أبناءنا أو أحفادنا بفخر، عندما يسألوننا عمّا قمنا به في سنة 2015، بأننا ساهمنا في صون الكوكب برمته.

أيها المواطنون الأعزاء في فرنسا القاريّة وما وراء البحار والذين يعيشون في الخارج، هذه هي أمنياتي للسنة الجديدة، التي يجب أن تكون سنة الجرأة والعمل والتضامن. وأنا أفكر بخاصة في الأشخاص الأكثر هشاشة بيننا الذين يعيشون وحيدين، والمعوزّين وكل ضحايا المآسي التي وقعت في الأشهر الماضية.

لكن رسالتي هي رسالة ثقة، الثقة في أنفسنا، والثقة في كل قوى بلدنا، والثقة في حيويتنا، ولهذا يمكنني القول في هذا المساء : تحيا الجمهورية وتحيا فرنسا.

آخر تعديل يوم 15/01/2015

أعلى الصفحة