الاحتفال بذكرى هدنة 11 نوفمبر 1918 [fr]

كلمة السيد برنارد إميي
السفير، الممثل السامي للجمهورية الفرنسية في الجزائر
بمناسبة الاحتفال بذكرى هدنة 11 نوفمبر 1918

مقبرة البحيرة الصغيرة، وهران، الجمعة 11 نوفمبر 2016

سيدي الوالي،
سيدي رئيس المجلس الشعبي الولائي،
سيدي رئيس المجلس الشعبي البلدي لورهان،
سيدي سفير الجمهورية الاتحادية الألمانية،
سيدي القنصل العام لفرنسا،
مونسينيور والسادة ممثلي الأديان،
السادة الضباط السامون والملحقون العسكريون،
سيداتي سادتي المستشارين القنصليين ورؤساء الجمعيات،
السادة قدامى المحاربين،
سيداتي سادتي،

يشرفني أن أكون بين ظهرانَيكم اليوم، في هذه المقبرة الفرنسية، مقبرة البحيرة الصغيرة، لإحياء الذكرى 98 لهدنة 11 نوفمبر 1918، التي وضعت حدا للحرب العالمية الأولى. يسرني أنني قررت نهاية سنة 2014 بالعودة لهذه العادة التي توقفت خلال العشرية السوداء في الجزائر، من أجل الاحتفال بهذا التاريخ هنا في وهران في مقبرة البحيرة الصغيرة.
كنا هنا قبل عامين، مع السيد الوالي، جنبا إلى جنب، أما السنة الماضية فاخترت التنقل إلى قسنطينة لأحتفل أمام النصب التذكاري الذي رممته السلطات الجزائرية بطريقة رائعة لأقول بأننا نتذكر معا ما عانيناه إبان الحرب العالمية الأولى. قبل سنتين وخلال السنة الماضية، زرت أيضا قسنطينة مع السلطات الجزائرية بطبيعة الحال ومع زميلي الألماني وقتئذ غوتز لينجنتال. يسرني اليوم وجود زميلي الجديد مايكل زينر، لأن هذه المراسيم هي احتفال بالسلم المسترجع والذاكرة والمصالحة.

JPEG

فلنتذكر 11 نوفمبر 1916، قبل مائة عام خلت، فرنسا وألمانيا وأوروبا وجزء من العالم كانوا في حرب تدور رحاها منذ سنتين، حرب لم يعرف لها مثيل قبل ذلك الوقت.

أكثر من 60 مليون جندي شاركوا فيها، 10 ملايين منهم قتلوا إبانها و20 مليون آخرين جرحوا، هؤلاء الضحايا تركوا خلفهم 3 ملايين أرملة و6 ملايين يتيم. عدا المأساة الإنسانية والخراب الذي لحق المدن والقرى، تزعزع التوازن العالمي على حساب أوروبا مدمرة ومصيرها مآسي أخرى.

خلال سنة 1916، شهدت فرنسا معركتين طاحنتين، بقيت راسخة فيها وفي سكانها وفي تاريخها أيضا. معركة "فاردان"، الشاهدة على وحشية تلك الحرب أين ارتفعت الخسائر الفرنسية والألمانية إلى 700.000، ومعركة "السوم" أين سقط مليون مقاتل. فلنتأمل مدى هول هذه الأرقام.

فلنتذكر ولنحيي ذكرى الذين ضحوا بأنفسهم من أجلنا.

في هذا اليوم الذكرى، أعبر عن عرفاني لكل المحاربين القدامى الذين شاركوا في تلك الحرب الكبرى والذين قدموا من جميع القارات، من أوروبا، من أفريقيا، من آسيا، من المحيطات ومن أمريكا وألقوا بأنفسهم في هذه المأساة العالمية. نسميهم المحاربين القدامى ولكن فلنتذكر بأنهم كانوا شبانا لديهم مشاريع وأحلام وحياة تنتظرهم، فلننحني اليوم أمام تضحياتهم وذكراهم. هنا في وهران وأمام السلطات الجزائرية والمحاربين القدامى أود أن أعبر عن عرفان فرنسا الأبدي تجاه 175.000 جندي من الجزائر شاركوا في تلك الحرب، جنود، ضباط صف وضباط، حاربوا كلهم جنبا إلى جنب مع رفقاء دربهم في السلاح، سقط منهم 26.000، ولكنهم كتبوا صفحة من تاريخ فرنسا والجزائر، لا تزال إلى غاية اليوم علاقاتنا مرتبطة بدمائهم.

مناوشون، صبايحية، زواوة جزائيين شاركوا في كل المعارك غلى غاية الجبهة الشرقية، هؤلاء المقاتلون القادمون من الجزائر برزوا أيضا في معركة فاردان، وكان كاتب الدولة المكلف بالمحاربين القدامى جون مارك تودتشيني قد أحيا ذكراهم يوم 24 أكتوبر الماضي في مقبرة دومون بمناسبة الاحتفالية المئوية، فشجاعتهم وتضحياتهم يستحقان الإجلال.
لكن بعد عشرين سنة من تلك الحرب، التي كان الجميع يتمنى أن تكون الأولى والأخيرة، دخل العالم في صراع جديد حيث طغت وحشية النازية على أوروبا، ولعبت الجزائر دورا أساسيا في تحرير فرنسا وأوروبا. فقد برز الجنود الجزائريين في عدة حملات وشاركوا في تحرير أراضينا، نوجه عرفاننا لهذا الجيل الثاني من المحاربين الذين حضر بعضهم معنا اليوم.

JPEG

السادة المحاربين القدامى، بفضلكم نعيش اليوم أحرارا في السلم، أود أن أؤكد لكم أننا لن ننسى شجاعتكم وتضحياتكم، وأتشرف بأن أعبر لكم عن عرفاننا اللامتناهي من خلال تكريم اثنين من بينكم بأرقى وسام فرنسي وهو وسام جوقة الشرف، خلال المراسيم التي ننظمها زوال اليوم في القنصلية العامة.

في هذا اليوم الذكرى، أنا فخور بأن أقف إلى جانب سفير الجمهورية الاتحادية الألمانية، حضورك اليوم، زميلي، يسمح لي بالتأكيد على سداد رؤيتنا نحو المستقبل، فلنتذكر الأشواط التي قطعها بلدانا منذ بداية القرن العشرين، الذي تقاتلنا خلاله بشراسة، لقد شهدنا نزاعات مسلحة وأحقاد دفينة، كما شهدنا مجازر النازية ووحشيتها.

لكن اليوم ليس هناك أصدقاء وشركاء أقرب من بعضهم مثل فرنسا وألمانيا، بطبيعة الحال لم تكن الطريق إلى ذلك سهلة، وأود أن أحيي عمل رجلي الدولة العظيمين المستشار الألماني أديناور والجنرال ديغول اللذان أمضيا معاهدة الإيليزيه في 22 جانفي 1963. كما سجل التاريخ لحظات جرمزية جدا نذكر منها المصافحة التاريخية بين المستشار هلموت كول والرئيس فرانسوا ميتيران سنة 1984 في مقبرة دوومون. كما صرح الرئيس فرانسوا هولاند سنة 2014 في مدينة أورادون على غلان، أمام نظيره جواكيم غوك أن "الدفاع عن هذه المصالحة الفرنسية الألمانية هي مسؤولية كل واحد فينا". كما تعكس احتفالية مئوية معركة فاردان، في 29 ماي الماضي، مدى قوة الروابط بين شعبي ولاسيما بين شباب بلدين كانا خصمان في الماضي.

تاريخ بلدينا يثبت بأن قوة الرغبة السياسية والمتبادلة تتغلب على الحتمية، شعبانا اللذين توارثا العداوة من الماضي عرفا كيفا يبنيان مستقبلا مشتركا داخل أوروبا وليس هناك بلد اليوم على غرار ألمانيا وفرنسا تحركهما رغبة قوية في مواصلة الإدماج الأوروبي وبناء مستقبل مشترك أفضل. على المصالحة الفرنسية الألمانية أن تكون قدوة في هذا العالم الممزق والمنغلق على نفسه وقدوة لأولئك الذين ييأسون من نجاح مسارات السلم.

التصالح لا يعني النسيان، بل التصالح هو اعتراف ورؤية واضحة للماضي من أجل الالتفات نحو المستقبل. بالنسبة لفرنسا والجزائر، التذكر هو أيضا تأكيد على أن هذا التاريخ الذي نشترك فيه أليم وثري.

JPEG

واجب الذاكرة تكلم يوم 14 جويلية 2015 خلال الاستعراض الدولي في الشانزيليزيه، أين حضر لأول مرة العلم الجزائري وحاميته للاحتفال بمئوية اندلاع الحرب العالمية الأولى، وفي رسالة التهنئة التي وجهها الرئيس بوتفليقة لرئيسنا بمناسبة العيد الوطني لبلادنا قال "إن إقدامكم بمناسبة احتفالات 14 جويلية، على تكريم الآلاف من الضحايا الجزائريين الذين شاركوا في الحرب العالمية الأولى، اعتراف بتضحيات الشعب الجزائري وبتمسكه بمثل الحرية التي مكنته من استرجاع استقلاله وسيادته مقابل ثمن باهظ ومن المشاركة في استرجاع حرية الشعب الفرنسي…إن هذا الاعتراف ليعزز رغبتنا المشتركة في بناء شراكة نموذجية بين بلدينا تستجيب لمصالحنا المتبادلة ولتطلعات شعبينا".

سيدي الوالي، سيدي رئيس البلدية، أصدقائي الجزائريين،

لنتأمل رسالة رئيس الجمهورية الجزائرية، ولنتأمل حضوركم اليوم في هذه الاحتفالية وكيف أننا اليوم مجتمعين لإحياء ذكرى أموات الحرب الكبرى، أيا كانت أصولهم، بلدهم، ديانتهم، جنسيتهم أو تيارهم السياسي. اسمحوا لي أن أعبر لكم عن عرفاني، سيدي الوالي والمنتخبين والسلطات الجزائرية، لحضوركم معنا اليوم. هذا الحضور يعطي معنى إضافي لهذه الاحتفالية، مائة سنة مبعد مجازر 1916 و72 سنة بعد إنزال 6 جوان 1944 الذي أعلن نهاية الحرب العالمية الثانية و62 سنة أيضا بعد الفاتح من نوفمبر وبداية ثورتكم التحريرية، تندرج هذه الاحتفالية في إطار الشراكة الاستثنائية التي يتمناها رئيسانا وشعبانا وشبابنا خاصة.

فلنتذكر ولننقل للأجيال

ليس هناك مثال أفضل من حضور تلاميذ وهران لهذه الاحتفالية والغوص في التاريخ، فالتاريخ هو أكثر من كونه مادة تعلم في المدرسة، التاريخ حسب أرسطو "هو تعلم وتذكر"، مع نقل الذاكرات إلى أجيالنا الشابة التي ستكون في خدمة أوطانها ويتعلمون من الماضي ولا ينسوه.

تجند المنظومة التربوية تجاه رهانات الذاكرة ضروري، المعلمون والتلاميذ الذين ينخرطون في مشاريع بيداغوجية لديهم القدرة على نقل الذاكرة وينعكس ذلك من خلال معرض "الجزائر الحرب الكبرى، شظايا حياة" الذي تم افتتاحه البارحة في المعهد الفرنسي بوهران، معرض رائع يدور حول الإنسانية قام به تلامذة الثانوية الدولية الكسندر دوما في الجزائر العاصمة.

حضوركم معنا سادتي المحاربين القدامى، انتم الفاعلون المباشرون في الحرب العالمية الثانية، يعطي لهذه الاحتفالية نفسا وروحا وحياة وشهادة وحكمة. أود مجددا أن أعبر لكم عن شكرنا وعرفاننا الأبديين باسم الجمهورية الفرنسية. فلولا تضحياتكم وتضحيات رفاقكم الذين سقطوا في ميادين الشرف لما كنا لنحضر هنا اليوم وربما لما ولدنا أصلا.

شكرا لكم.

JPEG

آخر تعديل يوم 07/12/2016

أعلى الصفحة